اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فحوص مختبرات مصلحة الأبحاث العلمية تؤكد سلامة عيّنات زيت الزيتون من الجنوب

خاص العهد

دعوات لمواجهة التطبيع الأكاديمي: لإنشاء مرصد مترافق مع تحصين المناهج التربوية
خاص العهد

دعوات لمواجهة التطبيع الأكاديمي: لإنشاء مرصد مترافق مع تحصين المناهج التربوية

86

لم تعد محاولات التطبيع مع العدو "الإسرائيلي" محصورة في المسارات السياسية والاقتصادية، بل باتت تستهدف ميادين التعليم والثقافة والبحث العلمي، عبر محاولات التسلل إلى المناهج والجامعات والمؤسسات التربوية، وتقديم التعاون مع المؤسسات الأكاديمية "الإسرائيلية" نشاطًا علميًا طبيعيًا ومحايدًا. وخطورة هذا المسار لا تكمن في اللقاءات والشراكات وحدها، بل في ما تحمله من رسائل تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي، وتغيير صورة العدو في أذهان الأجيال، وفصل ممارساته الاحتلالية عن أي تعامل معه.

وفي لبنان، تبرز هذه المخاطر في ظل محاولات إدخال التطبيع إلى المجال الأكاديمي من بوابات مختلفة، سواء عبر المشاركة في مؤتمرات ولقاءات دولية، أو من خلال المناهج والأنشطة التعليمية، الأمر الذي يفرض يقظة أكاديمية وتربوية وقانونية، إلى جانب تعزيز الوحدة الوطنية بوصفها أحد أسس مواجهة المشروع الصهيوني.

وفي حديثين لموقع "العهد" الإخباري، تناولت أستاذة السياسات العامة والاستراتيجيا في الجامعة اللبنانية والباحثة المتخصصة في قضايا الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي الدكتورة لور أبي خليل، والباحث الأكاديمي الفلسطيني الدكتور تيسير الخطيب، أبعاد هذا الخطر وسبل مواجهته، مؤكدين أهمية حماية المؤسسات التعليمية من الاختراق، وتوثيق الانتهاكات، وتحصين وعي الشباب من محاولات تزييف الحقائق وتطبيع صورة العدو.

التطبيع الأكاديمي مدخل إلى اختراق الوعي

يرى الدكتور تيسير الخطيب أن التطبيع الأكاديمي مع العدو لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة منفصلة عن المشروع الأوسع للتطبيع الثقافي والاجتماعي، فهو يشكل إحدى بوابات التأثير في الوعي العام، ولا سيما حين يُقدَّم التعاون مع أكاديميين أو مؤسسات صهيونية تحت عناوين البحث العلمي وتبادل الخبرات والانفتاح المعرفي. فهذه العناوين قد تخفي مسعى إلى منح العدو شرعية أكاديمية، وتجاوز حقيقة الاحتلال والعدوان.

ومن هذا المنطلق، تبرز خطورة الشراكات البحثية والأنشطة المشتركة مع المؤسسات الأكاديمية التابعة للعدو، إذ لا يمكن فصل طبيعة هذه العلاقات عن السياق السياسي والثقافي الذي تتحرك فيه. فالتعامل الأكاديمي لا يجوز أن يتحول إلى غطاء لتطبيع العلاقة مع كيان يمارس الاحتلال والقتل والتهجير.

وتتسع دائرة الخطر، وفق الخطيب، لتشمل المناهج والكتب التعليمية، ولا سيما الكتب المستوردة من الخارج، إذ قد تتسلل إليها مفاهيم ومصطلحات تبدو "محايدة" في ظاهرها، لكنها تحمل مضامين ثقافية وسياسية مشبوهة، أو تسهم في إعادة تقديم الصراع وتغييب جذوره ووقائعه. ولذلك، فإن حماية التعليم لا تقتصر على رفض اللقاءات المباشرة، بل تتطلب فحصًا دقيقًا للمحتوى التعليمي، والانتباه إلى الرسائل التي تنقلها المواد والمراجع المعتمدة.

وفي هذا الإطار، يشدد الخطيب على ضرورة إنشاء جهة متخصصة تتولى مراقبة المناهج والكتب والمواد التعليمية، وفق معايير علمية ووطنية وثقافية، بما يسمح بكشف المضامين التي قد تبدو عادية أو غير سياسية، لكنها تساهم تدريجيًا في تهيئة الأجيال لتقبل التطبيع. كما تبرز الحاجة إلى رصد الأنشطة الأكاديمية العربية والإسلامية التي تنخرط في تعاون مع مؤسسات العدو، وتوثيقها وكشف طبيعتها للرأي العام.

اللقاءات الأكاديمية وتطبيع صورة العدو

من جهتها، تلفت الدكتورة لور أبي خليل إلى أن التطبيع مع العدو قد يتخذ في لبنان أشكالًا متعددة، من بينها اللقاءات المباشرة مع أشخاص من العدو أو المشاركة في مؤتمرات دولية تضم شخصيات "إسرائيلية"، معتبرة أن خطورة هذه الممارسات تتجاوز حدود اللقاء نفسه إلى الرسالة التي تنقلها، ولا سيما عندما تصدر عن شخصيات أكاديمية أو إعلامية أو ثقافية تحظى بتأثير في المجتمع.

وتوضح أن التعامل مع ممثلي العدو بوصفهم أشخاصًا طبيعيين يمكن الجلوس إليهم والتحاور معهم يساهم في كسر القواعد الوطنية والأخلاقية التي تربى عليها اللبنانيون، ويضعف إدراك الأجيال الشابة لحقيقة الصراع. فالمشكلة لا تتعلق بمجرد معرفة هوية الطرف الآخر، بل بتجاهل طبيعة ممارساته، وتقديم العلاقة معه وكأنها منفصلة عن الاحتلال والاعتداءات.

وتحذر أبي خليل من أن التطبيع قد يتسلل أيضًا عبر المجال التربوي، مستشهدة بنماذج من مناهج في دول أخرى تتضمن خرائط تُظهر فلسطين المحتلة تحت تسمية "إسرائيل"، أو صورًا ورموزًا دينية صهيونية تُقدَّم في سياق اعتيادي، بما قد يجعل صورة العدو مألوفة لدى الطفل مع مرور الوقت. وتشير إلى أن هذه الممارسات ليست واقعًا قائمًا في المناهج اللبنانية، لكنها احتمالات تستدعي الانتباه والمراقبة، خصوصًا أن التطبيع لا يقتصر على المناهج، بل قد يمر عبر الأنشطة والمؤتمرات واللقاءات.

وتشدد على أن المشاركة في أي مؤتمر دولي لا تعفي المشاركين من مسؤولية الانتباه إلى هوية الجهات والأشخاص المشاركين، وأن عدم معرفة هوية أحد الحاضرين مسبقًا لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز الموقف الوطني والقانوني. كما أن تقديم هذه اللقاءات تحت عناوين "السلام والحوار والتعايش" أمر مستنكر جدًا وغير مألوف مع عدو غاشم.

القانون والوقائع في مواجهة التطبيع

وفي الجانب اللبناني، يؤكد الخطيب أهمية تفعيل الأطر القانونية التي تجرّم التواصل مع العدو، وعدم التعامل مع التطبيع الأكاديمي باعتباره نشاطًا مهنيًا أو علميًا خارج نطاق المساءلة. فالمؤسسات والجامعات والأفراد يتحملون مسؤولية وطنية في حماية المجال الأكاديمي من أي علاقة تمنح العدو شرعية أو تساهم في اختراق المجتمع.

وتلتقي أبي خليل مع هذا التوجه، إذ تدعو إلى التعامل مع محاولات التطبيع انطلاقًا من الوقائع الملموسة، لا من الشعارات العامة وحدها. وترى أن مواجهة الخطاب الذي يسعى إلى تقديم العلاقة مع العدو بصورة طبيعية تقتضي عرض حقيقة ما يجري في فلسطين ولبنان ودول أخرى، وتوثيق الجرائم والانتهاكات والخسائر، والاستناد إلى مصادر وتقارير دولية موثوقة.

وتشير إلى تجربتها في مؤتمر عُقد في مصر، حيث عرضت معطيات عن حجم الخسائر الاقتصادية في فلسطين المحتلة، وأعداد الشهداء والانتهاكات في لبنان، مستندة إلى تقارير صادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة العفو الدولية والمحكمة الدولية. وتعتبر أن تقديم هذه المعلومات بطريقة علمية وموثقة يمنح الخطاب الأكاديمي مصداقية وقوة، ويجعل النقاش قائمًا على الأدلة بدل الانطباعات أو المواقف المجردة.

ومن هنا، تبرز مسؤولية الأكاديميين والباحثين في توثيق الانتهاكات، وإعداد الدراسات، ونقل الحقائق إلى الشباب والرأي العام، بما يتيح مواجهة محاولات التشكيك أو تزييف الوقائع. فالمعرفة الموثقة ليست مجرد مادة بحثية، بل أداة في حماية الوعي وكشف طبيعة المشروع الذي يستهدف المنطقة.

مرصد أكاديمي وتحصين للمناهج

إن مواجهة التطبيع الأكاديمي تتطلب، وفق ما يطرحه الخطيب وأبي خليل، الانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى عمل مؤسسي منظم، يقوم على الرصد والمراقبة والتوعية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية إنشاء مرصد متخصص يتابع المؤتمرات والأنشطة والشراكات الأكاديمية، ويراقب المناهج والكتب والمراجع التعليمية، ويكشف أي محاولات لإدخال مضامين تطبيعية مع العدو إلى المؤسسات التربوية والجامعية.

كما أن بناء شبكة تعاون بين الأكاديميين والباحثين والمؤسسات التعليمية والإعلامية من شأنه أن يعزز القدرة على مواجهة هذه المحاولات، من خلال تبادل المعلومات، وتوثيق الوقائع، وإطلاق نقاش عام يوضح مخاطر التطبيع وآثاره على الهوية الوطنية والثقافية.

ولا تنفصل هذه المواجهة عن مسؤولية الجامعات في حماية استقلالها العلمي، وضمان ألا تتحول الشراكات والأنشطة البحثية إلى قنوات لتمرير مواقف سياسية أو ثقافية تخدم العدو. فالمؤسسة الأكاديمية مطالبة بأن تكون مساحة لإنتاج المعرفة وتعزيز التفكير النقدي، لا منصة لتبييض صورة الاحتلال أو التعامل معه بوصفه طرفًا طبيعيًا.

الوحدة الوطنية أساس المواجهة

ولا تقتصر مخاطر التطبيع على تغيير المناهج أو تطبيع العلاقات الأكاديمية، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل المفاهيم الاجتماعية، وإنتاج صور نمطية جديدة تضعف المناعة الوطنية وتضرب التماسك الداخلي. وهنا تبرز أهمية التمييز بين تعزيز العيش المشترك داخل لبنان، وبين الدعوات التي تستخدم عناوين "السلام والتسامح" لتبرير التعامل مع العدو.

وتؤكد أبي خليل أن التمسك بالوحدة الداخلية، وتعزيز العلاقات بين المسلمين والمسيحيين ومختلف مكونات المجتمع اللبناني، يشكلان قاعدة أساسية لمواجهة المشروع الصهيوني. فالدعوة إلى التعايش الوطني لا تعني القبول بالتطبيع، بل إن حماية المجتمع من الانقسام والتمييز هي جزء من حماية قدرته على مواجهة الاعتداءات.

وتلفت إلى أن العدو لا يميز في اعتداءاته بين اللبنانيين على أساس طائفي أو اجتماعي، كما تظهر الوقائع في فلسطين، حيث يُقتل الأطفال وتُدمر المنازل وتُباد الأراضي من دون تمييز بين أبناء الطوائف. ولذلك، فإن الوحدة ليست مجرد شعار، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة التهديد الذي يواجه لبنان والمنطقة.

في المحصلة، تكشف المقاربتان أن التطبيع الأكاديمي مع العدو ليس تفصيلًا هامشيًا في الصراع، بل مسار يستهدف الوعي والهوية والذاكرة، ويحاول التسلل إلى المؤسسات التي تصنع معرفة الأجيال وتوجه نظرتها إلى العالم. ومواجهته تستدعي تحصين المناهج والجامعات، وتفعيل القانون، وإنشاء آليات للرصد والتوثيق، إلى جانب خطاب أكاديمي يستند إلى الأدلة والحقائق. وفي موازاة ذلك، تبقى الوحدة الوطنية والاجتماعية شرطًا أساسيًا لحماية لبنان من محاولات الاختراق والتفكيك، ومواجهة عدو استعماري استيطاني يسعى إلى فرض حضوره وشرعنة احتلاله.

الكلمات المفتاحية
مشاركة