مقالات

المشهد الميداني
ليلة أمس لم تكن مجرّد مواجهة عابرة، بل تحوّلت إلى واحدة من أعقد ليالي الحرب منذ أسابيع. ففي حيّ الزيتون بمدينة غزّة، حيث الأزقة الضيقة والمباني المتهالكة بفعل القصف، نصبت المقاومة الفلسطينية كمينًا مركّبًا استهدف قوة "إسرائيلية" متوغلة.
المعطيات الرسمية "الإسرائيلية" المسموح بنشرها تشير إلى:
مقتل جندي "إسرائيلي" واحد.
إصابة 11 آخرين بجروح متفاوتة.
لكن تسريبات من الإعلام العبري تحدثت عن فقدان أربعة جنود في قلب العملية، ما أثار تكهنات واسعة بأن بعضهم قد يكون أُسر أو قُطعت الصلة بهم داخل مسرح الكمين.
هذه الفرضية دفعت إلى تداول واسع لتقارير عن تفعيل بروتوكول "هانيبال"، وهو الإجراء الأكثر سرّية وحساسية في العقيدة "الإسرائيلية"، والذي يقضي باستخدام كلّ الوسائل لمنع وقوع الجنود أسرى بيد المقاومة حتّى لو أدى ذلك إلى قتلهم بنيران “صديقة”.
تكتيك الكمين: من العبوة إلى الإطباق
المقاومة لم تكتفِ بتفجير عبوة ناسفة بمدرعة "إسرائيلية"، بل بنت العملية على مراحل متتابعة:
1. التفجير الأولي: استهداف ناقلة أو دورية مدرعة لعب دور “المصيدة” لفتح ميدان الاشتباك.
2. إطلاق نيران دقيقة: استخدام الأسلحة المضادة للدروع (RPG أو قذائف يدوية) لإعاقة القوّة، ثمّ توجيه رشقات مركّزة على عناصر الإخلاء.
3. الإطباق: ضرب القوّة التي هرعت لإسعاف المصابين، ما يضاعف الخسائر ويربك القيادة الميدانية.
4. انسحاب سريع منظم: انسحبت خلايا المقاومة في الظلام بعد دقائق معدودة، تاركة الجيش في فوضى إنقاذ وخوف من وجود أسرى.
لماذا نجحت العملية؟
1. الطوبوغرافيا: حيّ الزيتون بأزقته القديمة يشكّل نموذجًا مثاليًا لحرب العصابات، حيث يصعب على التكنولوجيا "الإسرائيلية" فرض السيطرة الكاملة.
2. العامل الليلي: التوقيت كان حاسمًا؛ الظلام أربك أجهزة الاستشعار، فيما استغل المقاومون الركام والظلال للتخفي والتنقل.
3. قابلية التنبؤ: الجيش يسلك مسارات متكرّرة، ما يسمح للمقاومة بزراعة العبوات وتحديد نقاط الإطباق مسبقًا.
4. الحرب النفسية: إشاعة أن جنودًا “مفقودين” لا يقل أثرًا عن قتلهم، إذ يزرع الشك والخوف في صفوف الجنود ويصعّد الضغط السياسي على القيادة.
5. فجوة الاستخبارات: على الرغم من الطائرات المسيّرة والتغطية الجوية، يبدو أن المقاومة استطاعت إخفاء عبوات ضخمة وتوزيع خلايا نارية داخل المنطقة دون رصد مسبق.
دلالات "هانيبال"
تداول الحديث عن تفعيل بروتوكول “هانيبال” يؤشر إلى أن الجيش اعتبر نفسه في مواجهة تهديد حقيقي بالأسر. هذا التقدير بحد ذاته يكشف عن:
اختراق خطير للخطط "الإسرائيلية": إذ يعني أن المقاومة نجحت في عزل مجموعة من الجنود.
خوف عميق داخل المؤسسة العسكرية: لأن تجربة “جلعاد شاليط” لا تزال ماثلة، وصفقة الأسرى تُعدّ من أكبر كوابيس "إسرائيل".
استعداد للتضحية بالجنود أنفسهم: منعًا لورقة ضغط تفاوضية هائلة بيد المقاومة.
الأثر على الجيش الإسرائيلي
1. تكتيكيًا: هذه العملية أكدت أن التوغّل في عمق غزّة لا يزال محفوفًا بتهديد وجودي، وأن السيطرة الميدانية الجزئية لا تلغي قدرة المقاومة على إعادة تشكيل مسرح قتال قاتل.
2. معنويًا: مشهد “الجنود المفقودين” حتّى لو تم نفيه لاحقًا، يترك ندوبًا في وعي الجنود وعائلاتهم، ويطرح سؤالًا وجوديًا: هل هناك من يحمي أبناءنا؟
3. سياسيًا: الخسائر تعمّق الانقسام الداخلي بين حكومة نتنياهو وقيادات الجيش، وتغذّي النقاش حول جدوى الاستمرار في الحرب.
المكاسب الإستراتيجية للمقاومة
إثبات الحضور: رغم القصف والحصار، تؤكد المقاومة أنها ما زالت قادرة على التخطيط والتنفيذ.
ردع معنوي: إرسال رسالة للمجتمع "الإسرائيلي" أن “الأمان” مفقود، حتّى للجنود المدججين داخل الآليات.
ورقة تفاوض محتملة: إذا ثبت وجود أسرى، ستتحول العملية إلى نقطة مفصلية في مسار الحرب بأكملها.
الخلاصة
كمائن الزيتون لا تختصرها أرقام القتلى والجرحى. هي في جوهرها رسالة مزدوجة:
للمجتمع الإسرائيلي: أن الحرب لن تنتهي بالسهولة التي وُعدوا بها.
وللعالم: أن غزّة ما زالت حيّة تقاتل، وأن إرادة القتال يمكن أن تُربك جيشًا يُعتبر من أقوى جيوش المنطقة.
لقد أثبتت تلك الليلة أن الحرب لم تدخل طور “الحسم”، بل العكس تمامًا: كلّ توغّل "إسرائيلي" هو مغامرة مفتوحة على المجهول، والمقاومة ما تزال تمتلك القدرة على تحويل كلّ شارع إلى فخّ، وكلّ ليلة إلى كابوس.