مقالات مختارة
إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
قد يبدو الأمر غريبًا لبعض اللبنانيين، ولكن مؤسسة الكنيسة في لبنان تختزن تجربة وعراقة سابقة على جميع الأحزاب المسيحية صاحبة النفوذ الكبير وسط الناس خلال القرن الماضي. ودور الكنيسة لم يكن متصلًا فقط بالجانب الرعوي للناس، بل في تحمل مسؤولية بقاء المسيحيين في هذه المنطقة.
ومنذ أيام السلطنة العثمانية، كانت الكنيسة تلعب دورًا في ما تسميه "حماية الهوية الثقافية" للمسيحيين في بلاد المشرق العربي. لكن مشكلتها أخذت بعدًا مختلفًا مع تعاظم دور الوكالة اليهودية العالمية، حيث تبين مع الوقت أن تيارًا قويًا داخل الكنيسة، وجد في ما أسموه "نضال اليهود" من أجل بناء دولتهم في هذه المنطقة، ما قد يشكّل حافزًا لدور أكبر من قبل أوروبا، ما يسمح بتوفير حماية أكبر للمسيحيين.
هناك المئات إن لم يكن الآلاف من الوثائق عن علاقة الكنيسة كمؤسسة مع أوروبا والغرب، أو حتّى مع الوكالة اليهودية. حتّى العلاقات السياسية ورعاية المصالح الصغيرة لقادة لبنانيين، من خلال علاقات كبرت مع الغرب ثمّ مع "إسرائيل"، لم تكن تؤثر على موقع الكنيسة في القرار. وكان الأساس دورها المباشر في رعاية أهم ملفين: التعليم، والرعاية الصحية والاجتماعية.
بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وجدت الكنيسة نفسها أمام مأزق كبير، أوله أن القوى السياسية التي تجند الشباب المسيحيين، كانت تذهب بعيدًا في خياراتها وأدوات عملها. ومع الوقت أيضًا، تبين أن هناك خلافًا قويًا داخل الكنيسة حول دور بعض رجال الدين البارزين في دعم هذه "التوجّهات المتطرّفة" بين القوى المسيحية.
وقد لا ينتبه الناس إلى أن الكنيسة كانت تشعر دومًا بأن فريقًا من مسيحيي الأطراف، والذين انخرطوا في "القوات اللبنانية" وقبلها في تنظيمات يسارية، إنما كانوا يعبرون عن احتجاجهم على السلوك الاجتماعي للكنيسة، وكانت هناك ذروة تصدّى لها رجال دين من طوائف غير الموارنة أكثر من الموارنة، عندما لجأت جهة "عقائدية" في فريق "القوات" إلى اعتماد "الصليب المشطوب" كرمز للقتال. علمًا أن الكنيسة الأرثوذكسية كانت أكثر من هاجمت هذا التوجّه.
ومنعًا للغرق في تاريخ له بحثه الطويل، ظلت الكنيسة محافظة على مسافة من أعتى القوى المسيحية التي أدارت مناطق ومؤسسات وحتّى الدولة.
وتطور موقف الكنيسة، عندما بدأت القوى السياسية تسلك طريقًا بات مؤذيًا للمسيحيين. وجاءت المعارك داخل "البيت المسيحي" التي استمرت لنحو عشر سنوات على الأقل (من بداية معارك توحيد البندقية نهاية السبعينيات، وصولًا إلى الحرب القاسية بين الجيش بقيادة العماد ميشال عون و"القوات" بقيادة سمير جعجع)، لتدفع الكنيسة إلى الضغط من خلال إبلاغ "الشركاء في الوطن" بأنها مستعدة لتعديلات جوهرية على الدستور اللبناني.
وهذا ما جعل البطريرك الراحل نصر الله صفير لاعبًا مركزيًا في صناعة اتفاق الطائف. لكن الكنيسة كانت تعرف أن الخسائر غير المباشرة ستظهر مع الوقت، وهو ما حفلت به مرحلة الوجود السوري في لبنان، إلى أن حصل الانقلاب الكبير غداة اغتيال رفيق الحريري.
في كلّ هذه الفترات، كانت الكنيسة الأكبر في لبنان، أي تلك التي تخص الموارنة، تحافظ على صلة من نوع خاص مع الفاتيكان. صحيح أن المؤسسة الكنسية العالمية تملك وصاية ذات بعد روحي وديني، ولكنها تملك نفوذًا إداريًا وتنفيذيًا، من بينها ملف الملكيات، إلى جانب ملف الأحوال الشخصية، علمًا أن الكنيسة الغربية لعبت دومًا دورًا في توفير دعم مباشر أو غير مباشر للمؤسسات التي تقودها الكنيسة في لبنان. ومع ذلك، فإن أحدًا لا يقدر على الادّعاء بأن سلطة الفاتيكان حاسمة في قيادة الكنيسة المارونية في بيروت. وهو أمر له تفسيراته الكثيرة التي يوردها مؤرخون عملوا على هذا الملف.
ومع كلّ التطورات التي عصفت بالدول المشرقية خلال 75 سنة، كان المسيحيون أول من يغادر هذه البلاد. وحصلت موجات كبيرة من الهجرة، تفوق بكثير الموجات التي قيل إن سببها هو أداء السلطنة العثمانية. وصولًا إلى سؤال طُرح يومًا في جلسة مع البطريرك صفير نفسه، وهو قال إنه لا يملك تفسيرًا دقيقًا للأمر. وكان السؤال: لماذا يعتبر المسيحيى أنه من السهل عليه ترك بلاده هنا، وأن من السهل عليه الاندماج في أي مجتمع غربي... أليس في هذا إشارة إلى عدم تعلقه بالأرض بخلاف السردية القائمة؟
مع وصول البابا الجديد إلى لبنان، طرح سؤال عن سبب اهتمامه بزيارة لبنان دون غيره من الدول في العالم. وراج كثير من التفسيرات، بعضها يعزو الأمر إلى أنه ملتزم برنامجًا كان مقررًا في الفاتيكان قبل توليه منصبه، وبعضها الآخر يعيد الأمر إلى التزام الفاتيكان سياسة تهدف إلى منع هجرة ما تبقى من مسيحيين في المشرق العربي، وخصوصًا بعد الهجرة الكبيرة وغير العادية التي حصلت في سورية والعراق خلال العقدين الأخيرين، والتي لم تكن وحدها الجارية، حيث واصل المسيحيون في فلسطين الهجرة، وكذلك في لبنان، وصولًا إلى قلق جدي من أن يكون الوجود البشري المسيحيى في هذه البلاد على أبواب الانقراض خلال خمسة عقود على الأكثر. في حال بقيت الأمور على حالها.
لكن العمل على منع الأمر، يحيل الأمر إلى نقاش من نوع مختلف، بعضه يتصل بأصل دور الكنيسة في لبنان، وبعضه الآخر يتعلق بالاصطفاف المسيحيى وسط الحروب التي تنهش المنطقة. وكما في كلّ مناسبة شبيهة، يدرس خبراء من "أبناء الكنيسة" الوضع، ويقدمون ما يمكن وصفه بـ"التقدير" إلى قيادة الكنيسة في لبنان، وعبرها إلى الفاتيكان، كأساس لمسار سياسي يفترض أن يتم تثبيته من خلال خيارات وقوى وإدارة.
وفي هذا الإطار، يظهر أن الفاتيكان كان قد راسل بيروت سائلًا عن تصور الكنيسة للوضع السياسي، وأي توجه تراه مناسبًا للبنان في المرحلة المقبلة. خصوصًا أن في الفاتيكان من يعتقد أن لبنان دخل مرحلة "انحسار النفوذ الإيراني، بعد الانتهاء من مرحلة النفوذ السوري". وهو ما أنتج مجموعة من الأفكار التي تعرض لواقع لبنان خلال العامين الأخيرين، مع توقف واضح عند مرحلة ما بعد الحرب "الإسرائيلية" على لبنان وسقوط نظام بشار الأسد في سورية. دون إغفال الرأي حول ما يجري في فلسطين، وانعكاس الاتفاق الذي أنجزه الأميركيون بشأن قطاع غزّة. ما يقود ضمنًا إلى رأي حول مشروع المفاوضات المحتملة بين لبنان و"إسرائيل"، من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي لا تقني.
وبحسب متابعين، فإن المراجع الكنسية الكاثوليكية قالت رأيها في كلّ هذه العناوين، وهي تناولت جميع العناوين، ويمكن الحديث عن خلاصة أولية تقول بالآتي:
- ترفض الكنيسة بقاء السلاح بيد حزب الله، وهي تتبنّى الدعوة إلى تطبيق القرارات الدولية، كما تجد أن على لبنان نزع السلاح ليس جنوب الليطاني فقط، بل في كلّ لبنان، وأن يترافق الأمر مع إلغاء أي نوع من التواجد العسكري للفلسطينيين في لبنان، بمعزل عن هوية وعنوان الجهة.
- تميل الكنيسة إلى القول إن اتفاق الطائف لا يزال صالحًا، وهي ترفض الدعوات إلى تعديل، بل تدعو إلى نقاش من أجل حسن تطبيقه، وبالتالي، فهي ترفض أي دعوة إلى تبني الفدرالية كنظام بديل، ولكنها تدعم بقوة إقرار اللامركزية المُوسعة، شرط أن لا يقود البلاد نحو التقسيم.
- ترى الكنيسة أنه يجب إلزام "إسرائيل" الانسحاب من الأراضي التي تحتلها إلى الآن، وأن تتم عملية نزع سلاح حزب الله من خلال حل سياسي، وترفض أي خيار يقود إلى عودة الحرب الأهلية في لبنان، وترى أنه يجب العمل على توفير التعويضات لكل المتضررين من الحرب "الإسرائيلية".
- تريد الكنيسة احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية، وخصوصًا الانتخابات النيابية، وهي تتفهم وتدعم حق المغترب اللبناني أن يدلي بصوته لكل المرشحين الـ128، مع تأكيد احترام القوانين المعمول بها على أكثر من صعيد.
- تخشى الكنيسة من أي تعديل يصيب النظام الاقتصادي في لبنان، وهي تطالب بالاحتفاظ بالنظام الحرّ، ولكنها تدرك أهمية إيجاد الآليات الضرورية لمواجهة الفساد والسعي إلى تحقيق عدالة اجتماعية، وأن تتعاون الدولة والمصارف على ردّ أموال المودعين بإشراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهي لا تجد ضررًا في طلب العون الاقتصادي من الدول الغربية ودول الخليج، ولكنها لا تميل إلى طلب العون من دول مثل الصين أو إيران.
- تنظر الكنيسة إلى موقع لبنان في الصراع مع "إسرائيل" على أساس أن يكون في حالة حياد. وأن لبنان لا يطلب السلام مع "إسرائيل"، ولكنه لا يرفضه. وأن المهم الآن هو العمل باتفاقية الهدنة بين لبنان و"إسرائيل". وترغب الكنيسة في أن يتم تحييدها عن كلّ سجال داخلي بشأن المفاوضات المقترحة بين لبنان و"إسرائيل".
- تنظر الكنيسة إلى العلاقة مع سورية على أنها ضرورية، ولكن يجب معالجة ملف الحدود والنازحين، وملف الحدود البحرية في لبنان، وكما ترفض توطين الفلسطينيين. فهي تصر على إعادة النازحين السوريين بعد انتفاء السبب مع سقوط حكم الأسد.