مقالات
كاتب من لبنان
" أما قاسم سليماني فليس شأنًا إيرانيًا بحتًا، قاسم سليماني يعني كل محور المقاومة، قاسم سليماني يعني كل قوى المقاومة." الشهيد السيد حسن نصر الله.
كان اغتيال الحاج قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، قرب مطار بغداد في كانون الثاني 2020 حدثًا أمنيًّا ذا أثر كبير لا يمكن عزله عن أحداث المنطقة، ما يعكس الدور الذي كان يقوم به الحاج قاسم في عملية تشكيل موازين القوة في منطقتنا، ولم يكن الحاج بالنسبة إلى "إسرائيل" والولايات المتحدة قائدًا عسكريًّا كغيره من القادة الإيرانيين، إنما كان عقلًا عسكريًّا عملياتيًّا ذا أثر كبير وواضح في مواجهة التدخل العسكري "الإسرائيلي" الأميركي في دولنا وصلة وصل قادرة بين ميادين المقاومة في فلسطين ولبنان وسورية والعراق.
لبنان: من المقاومة إلى الردع
في خطاب تأبين الشهيد الحاج قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس، بعد أيام من شهادتهما، قال الشهيد السيد حسن نصر الله: "يأتون (يقصد الأميركيين) إلى لبنان والمقاومة وتحرير الـ2000 وحرب الـ2006 وتعاظم قوة المقاومة في لبنان وقدراتها الصاروخية والنوعية والصواريخ الدقيقة وثباتها وصلابتها، يجدون قاسم سليماني".
بهذه الكلمات القليلة اختصر السيد نصر الله الدور الكبير للحاج قاسم سليماني في دعم المقاومة الإسلامية في لبنان، وهو الدور الذي تجلى في تطوير قدرات المقاومة الصاروخية، وتحويل المقاومة من الدفاع إلى الردع.
سورية: منع سقوط الدولة والحفاظ على خط المقاومة
في خطاب التأبين المذكور نفسه، يضيف الشهيد السيد نصر الله: "يذهبون إلى سوريا وتراهن أميركا وإسرائيل على الإرهابيين التكفيريين، فإلى جانب الجيش والشعب في سوريا والقيادة في سورية يجدون قاسم سليماني".
كانت نظرة الحاج قاسم سليماني إلى المعركة مع الإرهابيين في سورية، التي بدأت عام 2011، على أنها معركة مصيرية لمحور المقاومة، لا سيما لكون سورية خط الإمداد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان، ولأن سقوط النظام السوري يعني خسارة المقاومات في المنطقة دولة لها الدور الكبير والمؤثر في معادلة الصراع مع العدو "الإسرائيلي"، لذلك ساهم الحاج قاسم في إعادة تنظيم الجيش السوري، والتنسيق الميداني والسياسي بين النظام السوري والجهات المتحالفة معه، بالإضافة إلى التخطيط للمعارك الفاصلة في الحرب ضد الإرهاب في سورية.
العراق: مواجهة داعش حين تواطأ الأميركيون
في موضوع "داعش" وتمددها في العراق ودور الحاج قاسم هناك، يضيف الشهيد السيد حسن نصر الله في خطابه المذكور سابقًا: "يريدون السيطرة على العراق واللعب بالعراقيين من خلال داعش لعشرات السنين، يجدون قاسم سليماني، يراهنون على تمزيق العراقيين فيجدون أن هناك من يجمعهم ومن ينسق بينهم ومن يوحدهم، يجدون قاسم سليماني".
حين اجتاح تنظيم "داعش" الإرهابي الموصل في العراق، عام 2014، تراجعت أمامه وحدات الجيش العراقي، وامتنع الجيش الأميركي الموجود في العراق عن التدخل لدعم العراقيين، ليبرز دور الحاج قاسم الذي تدخّل لمنع سقوط العراق بيد الإرهاب، داعمًا تشكيل الحشد الشعبي ومنسقًا الدفاع عن العاصمة بغداد، ومنسقًا أيضًا للمعارك في بعض مناطق العراق كآمرلي وجرف الصخر وتكريت.
فلسطين: بوصلة العمل الجهادي
"حسنًا، بدأوا يحضّرون للحاج قاسم، عندما وضعوا دراسة رأوا أنهم عندما يذهبون الى محور المقاومة، أينما ذهبوا يوجد شخص يتكرر اسمه: قاسم سليماني. نذهب الى فلسطين، الى غزة، إلى المقاومة الفلسطينية وإلى فصائل المقاومة الفلسطينية، إلى دعم المقاومة الفلسطينية بالسلاح والتدريب والإمكانات التكنولوجية، وإلى دعم القضية الفلسطينية بالإعلام والمؤتمرات والعلاقات ودفع كل ما عندنا في المنطقة باتجاه فلسطين، يجدون قاسم سليماني".
في هذا المقطع من كلام السيد الشهيد نصر الله، نرى أن فلسطين هي بوصلة العمل الجهادي لدى الحاج قاسم، "شهيد القدس"، وهو اللقب الذي أطلقه عليه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الشهيد إسماعيل هنية. فلسطين، ملتقى الإرادات والمقاومات، وموطن قلوب الأحرار، والمشروع الأساس لمجاهدي الأمة. لم يميز الحاج قاسم بين فصائل المقاومة الفلسطينية، دعمها كلها بالمال والسلاح ونقل إليها الخبرات العسكرية، إلى أن تغير ميزان الردع، وصار على "إسرائيل" أن تتعامل مع مقاومة أشدّ قدرة وأكثر تنظيمًا.
خاتمة
في عالم عربي ينهار ويتراجع يومًا بعد يوم، وعالم إسلامي غير آبه بالقضايا المصيرية الكبرى، في عالم استكبر فيه الأميركي واستبدّ، وطغى فيه "الإسرائيلي" فاحتل الأرض وانتهك الأعراض، كانت فلسطين ومقاومتها، وكل مقاومات المنطقة، الهمّ الأكبر لدى الشهيد الحاج قاسم سليماني، فبرز قائدًا لا شبيه له، انحاز إلى المظلومين وأصحاب الأرض والحق، وتحدى من لا يستطيع الكثيرون أن يتحدوه، المستبدّ الأميركي وربيبه "الإسرائيلي"، فكان لا بدّ لهذين من القضاء عليه، وقد فعلا، لكن شعلة الحاج قاسم لا تطفئها الأعاصير، وذكره لا تقدر عليه الأيام.