خاص العهد
ليست هذه شهادة عن رجل غاب، بل عن أثرٍ بقي حاضرًا في تفاصيل حياةٍ كاملة. في الذكرى الثانية لاستشهاد القائد الفلسطيني صالح العاروري، تتقدّم شقيقته دلال بكلامٍ هادئ، محسوب، لا يسعى إلى إثارة العاطفة بقدر ما يضع التجربة في إطارها الإنساني العميق. حديثٌ لا يبدأ من لحظة النهاية، ولا يتوقف عندها، بل ينفذ إلى ما تركه الغياب الطويل من تحوّلات صامتة في حياة العائلة، وكيف تتشكّل الذاكرة حين يصبح الانتظار هو الثابت الوحيد.
من خلال هذه الشهادة، تتكشف ملامح تجربة لا تخص فردًا بعينه، بل تعبّر عن واقعٍ فلسطيني متكرّر، حيث تتقاطع حياة العائلة مع مسار المقاومة، ويتحوّل الصبر إلى فعل يومي، والحرمان إلى اختبار مستمر. شهادة لا تلخّص ما سيأتي، بل تفتح باب القراءة على روايةٍ تُكتب من داخل التجربة، لا من هامشها.
تقول دلال في حديث لموقع العهد الإخباري إن: "سيرة شقيقها لا يمكن فصلها عن تجربة الاعتقال المبكر، والتي تحوّلت مع السنوات إلى نمط حياة فرضه الاحتلال على العائلة بأكملها". غير أن المرحلة الأكثر قسوة، بحسب وصفها، "كانت الاعتقال الثاني الذي امتد خمسة عشر عامًا، حيث غاب صالح عن أهله لشهور طويلة دون أي خبر، في سياسة متعمّدة لقطع الصلة بين الأسير وعائلته، وتحويل الانتظار إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي".
وتوضح أن "والدتهما كانت تعيش تلك الأشهر في حالة ترقّب دائم، بلا معلومة واحدة تطمئنها. لم تكن تعرف إن كان ابنها حيًّا، أو مريضًا، أو يتعرّض للتعذيب. هذا الغياب لم يكن فراغًا زمنيًا فقط، بل فراغًا نفسيًا ثقيلًا، ظلّ يرافق العائلة حتّى بعد انكشاف بعض تفاصيل ما كان يجري خلف جدران التحقيق".
وتلفت إلى أن" الاحتلال لم يسمح لوالدتهما برؤية صالح إلا بعد عام ونصف من التحقيق العسكري. اللقاء الأول جرى في قاعة المحكمة، لا في زيارة إنسانية". تنقل دلال عن والدتها وصفها لتلك اللحظة، حين رأت ابنها وقد تحوّل إلى جسد منهك، فقد أكثر من أربعين كيلوغرامًا من وزنه نتيجة التعذيب والعزل المتواصل. تقول إن "الصدمة كانت قاسية إلى حد أن والدتها فقدت وعيها، في مشهد اختلط فيه اللقاء بالانكسار".
ولا تتوقف الشهادة عند تلك اللحظة، إذ تشير دلال إلى أن "معاناة والدتهما تحوّلت لاحقًا إلى مسار طويل من التنقّل بين السجون "الإسرائيلية". سنوات من الرحلات الشاقة، والانتظار على الحواجز، والتفتيش، قبل الوصول إلى بوابة السجن، حيث كثيرًا ما كانت تُمنع من الزيارة دون تفسير. في المقابل، كان صالح يقضي فترات طويلة في العزل الانفرادي، في محاولة منهجية لعزله نفسيًا وإنسانيًا عن محيطه".
ومن بين كلّ تلك الزيارات، تستعيد دلال واحدة ظلّت حاضرة في الذاكرة العائلية بوصفها لحظة فاصلة. كانت الزيارة في سجن النقب الصحراوي. في تلك الليلة، عادت الوالدة إلى منزلها في ساعة متأخرة، لتجد أن زوجها قد توفي ودُفن دون أن تتمكّن من وداعه.
وتشير إلى أن والدها كان قد أوصى زوجته عند خروجها فجرًا بأن تنقل لابنه رسالة بسيطة: "أبوك بخير، لا يريد من الدنيا إلا رؤيتك". رسالة لم تصل، ولقاء لم يتحقق، لتتحوّل تلك الحادثة إلى أحد أثقل فصول الفقد في ذاكرة العائلة.
وتنتقل دلال إلى مرحلة ما بعد الإفراج عن شقيقها عام 2007، موضحة أنه كان قد أتم خطبته قبل اعتقاله الطويل. وبعد الإفراج عنه، تزوج وعاد للإقامة في منزل العائلة، في محاولة لإعادة بناء حياة طبيعية بعد سنوات السجن. غير أن هذه المحاولة لم تدم طويلًا، إذ أعاد الاحتلال اعتقاله بعد ثلاثة أشهر فقط، ليقضي ثلاث سنوات أخرى في السجن، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا مبعدًا إلى سورية.
وتتوقف دلال عند لحظة إبلاغه بقرار الإبعاد، معتبرة إياها من أكثر اللحظات قسوة على والدتهما. تقول إن "صالح طلب من والدته أن ترافقه في رحلة الإبعاد، لكنّها اختارت أن تتحمل ألم الفراق على أن يبقى ابنها في السجن. نصحته بقبول الإبعاد، ليبدأ حياته مع زوجته بعيدًا عن أرضه وأهله، في قرار شكّل مفصلًا جديدًا في سيرة الغياب".
ومنذ إبعاده عام 2010، لم يجتمع صالح بوالدته. لم ترَ أحفادها، ولم تتعرّف إليهم وجهًا لوجه، رغم أن إحدى حفيداتها حملت اسمها. اقتصر التواصل على المكالمات الهاتفية، وغالبًا في أضيق الحدود، بسبب القيود الأمنية والملاحقة الدائمة. كلّ محاولة للسفر كانت تُقابل بقرار "إسرائيلي" بالمنع، ما جعل اللقاء مؤجلًا إلى أجل غير مسمّى.
وتشير دلال إلى أن العائلة دخلت مرحلة ترقّب ثقيلة مع اندلاع عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر. وتستعيد شقيقتها صفية آخر اتّصال مع صالح في ذلك الصباح، حين انتشرت شائعة اغتياله. تقول إنه ردّ بهدوء مطمئن، وأخبرها أن الأمور بخير، وأضاف: "ها هم مقاتلونا قد دخلوا غلاف غزّة".
منذ ذلك اليوم، انقطعت أخبار صالح عن عائلته بالكامل. تقول دلال إن العائلة كانت تعيش على وقع الاحتمال الدائم، مستعدة نفسيًا لتلقّي خبر استشهاده في أي لحظة. هذا الشعور تعزّز بعدما كان قد أرسل مبلغًا ماليًا لوالدته قبل ذلك بفترة قصيرة، مبرّرًا الأمر بأنه لا يريد أن يترك وراءه دينًا، وطلب منها الدعاء لما هو مقبل عليه، في إشارة فهمتها العائلة لاحقًا بوصفها وداعًا غير معلن.
وحول نبأ استشهاد صالح العاروري اختصرت دلال المشهد بالقول: "استشهاده كان فداءً للوطن وامتدادًا لخياره الحرّ في المقاومة وأنه لم يكن ينتظر الموت، بل كان يسعى إلى الشهادة ويفتخر بها، فضلاً عن أنها ليست نهايةً مفاجئة، بل تحققًا لمبدأ اختاره وعاش لأجله طوال حياته.
وترى دلال أن سيرة شقيقها تختصر هذا المعنى؛ إذ لم تكن المقاومة لديه بحثًا عن موت، بل إصرارًا على حياةٍ لا تُدار بإرادة المحتل. مقاومة لا تنفصل عن الصبر، ولا عن الإيمان بأن الحرية لا تُمنَح، بل تُنتزع، مهما طال الزمن وكثرت التضحيات.
وتشدد في ختام حديثها لموقعنا على أن المقاومة تعبير عن حق شعبٍ كامل في أن يعيش حرًا على أرضه، وأن دم الشهداء، مهما بدا ثقيلًا، يبقى شاهدًا على أن هذا الحق لم ولن يسقط بالتقادم.