خاص العهد
صحافية لبنانية
صحيحٌ أن فضيحة أبي عمر عرّت شخصيات لطالما تسلّحت بنغمة السيادة، بعدما تبيّن كذبها وإذلالها أمام ممثلٍ بارع وخادع، غير أن القصة برمّتها تفتح الباب على تساؤلات منطقية يمكن تلخيصها بالآتي: هل استطاع أبو عمر ومن خلفه الشيخ خلدون عريمط وحدهما أن يُديرا عمليات الاحتيال والمراوغة وحاكا كلّ هذا الفيلم، أم أن هناك من وجّههما وأخرج هذا المشهد السريالي؟!
في البحث عن الإجابة، لا بدّ من مراجعة نشاط عريمط طيلة السنوات الماضية، أقلّه حتى عام 2020. حركة "ذهاب وإياب" الشيخ تبدو لافتة. يتنقّل بين المقرّات وفي الفعاليات ويجري اللقاءات كمرافقٍ لرجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور حيث يحطّ.
يظهر عريمط في كثيرٍٍٍ من اجتماعات وزيارات خلف الحبتور في لبنان مع شخصيات سياسية، ما يقود إلى استنتاج مؤكد أن العلاقة بين الرجليْن متينة، ويمكن القول إن رجل الأعمال الإماراتي يتعاطى معه على أنه محطّ ثقته.
زار الحبتور بمرافقة عريمط البطريرك الماروني بشارة الراعي ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ودار الفتوى وغيرهم الكثير. كذلك افتتح عريمط قسمًا داخل مستشفى الحبتور في حرار العكارية. وفي دبي أيضًا، حلّ عريمط ضيفًا على الحبتور الذي استقبله عام 2005 مرتين بحرارة. عريمط اشترك مع مؤسسة الحبتور في توزيع مساعدات غذائية وتحديدًا في طرابلس والشمال، وقد شارك في فعاليات تُعنى بتقديم الدعم للمستشفيات ومبادرات صحية تحت إشراف فريق الحبتور في لبنان، خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث وزّع المعونات ومعدات الإسعاف. وكلّ هذا يعني أن الحبتور ينتدب عريمط لتمثيله في أنشطة عديدة على الأراضي اللبنانية.
في معرض دفاعه عن الحبتور، يقول عريمط في مقابلة صحافية بتاريخ 7 تموز 2025، إن "الحبتور لا يريد شيئًا من لبنان ويُحبّه أكثر بكثير من مسؤوليه ويتطلّع لأن تعود الدولة اللبنانية سيدة الموقف". كلامٌ يُمجّد الرجل الإماراتي ويجعل من ملاكًا وحمامة سلام تدعو للبنان. المشكلة ليست هنا، بل في ما يحمله هذا الحراك السياسي اللافت وهذه الصداقة من خفايا. الجردة السريعة السالفة تقود إلى طرح أسئلة مشروعة ومنطقية في ظلّ انكشاف خديعة الأمير الوهمي والعودة إلى جولات "الرفيقين":
* في ظلّ إقرار الكثير من العارفين بأن عريمط لا يُمثلّ شخصية استثنائية في الشأن العام، ولا يتميّز بأيّة خاصية في الحياة السياسية، هل كان رجل الأعمال الإماراتي خلَف الحبتور وراءه، يدعمه ويأمره ليوعز بدوره فينفّذ أبو عمر المسرحية؟
* هل تحكّم الحبتور بكلٍّ من عريمط والأمير الوهمي للتقرّب من الشخصيات السياسية والوزراء والنواب ويدخل على خطّ تسمية رئيس الحكومة نواف سلام أو نواب الأمة أو حتى مرشحّي المجالس البلدية وخصوصًا في بيروت؟
* هل كل ما جرى ينضوي تحت عنوان التنافس الإماراتي السعودي حول النفوذ على الساحة اللبنانية؟ وهل الإمارات هي من كلّفت الحبتور بمخطّط الإيقاع بكلّ الشخصيات اللبنانية من رؤساء ووزراء ونواب؟ ولماذا تم الكشف عن فضيحة أبي عمر بهذا التوقيت بالذات أي بعد انكشاف الخلاف السعودي الإماراتي في عدد من ملفات المنطقة، في وقت تؤكد المعلومات أن الفضيحة عمرها 4 أشهر وبقيت طي الكتمان وبعيدة عن الإعلام طوال تلك المدة.
ما تقدّم يبدو وجيهًا ومُبرّرًا خاصة أن السعودية عبّرت عن غضبها بحسب ما سُرّب من معلومات من مسرحية الأمير السعودي الوهمي، وقد ترى أن هناك من يضرّ بمصالحها في لبنان وعلاقاتها مع السياسيين الذين يُعتبرون حُلفاء لها، لا بل على صورتها الدبلوماسية. الأمر غيرُ مُستبعد فنموذج جنوب اليمن ما زال حاضرًا ولم تنتهِ مفاعليه، حيث تصادمت "الشقيقتان" الخليجيتان وقسمت المصلحة الإقليمية بينهما ووصلت الى حدّ العراك العسكري العلني.
وعليه، ترجيح التورّط الإماراتي في فضيحة أبي عمر واقعي وقابلٌ للتصديق، فلا يمكن أن يخطّط أبو عمر لكلّ هذا وبهذا الحجم من الاحتيال بناءً على اجتهاد شخصي.