نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
بإنزال من طائرة وحادثة اختطاف ذات طابع مافياوي، أطاح الأميركي بالشعارات التي لقّنها لأبواقه، فأردى آخر ذرّات مصداقيتهم وكراماتهم وصورتهم، ليكون فقدها مجرّد أضرار جانبية في عملية تعمّد فيها مسرحة غطرسته، إلى أقصى "الفرعنة".
الغطرسة الأميركية ليست حالة مستجدّة أو مرحلة من مسار الدولة التي لا يزيد عمرها عن ٢٥٠ عامًا؛ فمنذ نشأتها، مسارها هو الغطرسة التي نمَت وتطوّرت وبلغت اليوم حدّ التخلّي عن كلّ الأقنعة التي لطالما أخفت خلفها ملامح الهمجية والتوحّش. المستجدّ إذًا هو الانكشاف التام للطبيعة الأميركية، بلا مساحيق تجميل شعاراتية، بلا مسرحيات حقوقية وقانونية ذات طابع "أمميّ".. .
كيف ينعكس الأمر على المتأمركين في لبنان؟
واقعًا، لقد وضعهم الأميركي في موقف لا يُحسدون عليهم، إذّ حوّلهم إلى تماثيل محطمة في متاحف التاريخ بعد أن رمى حججهم وشعاراتهم، التي تلقوها منه كتعليمات مباشرة، في سلّة مهملات عملاقة، محتوياتها غير مؤهلة لإعادة التدوير... كان يا ما كان، شعارات بتوقيع عوكريّ غبّ الطلب: "ستحمينا القرارات الدولية"، "الأميركي يحمي سيادة لبنان"، "نلجأ للمجتمع الدولي"، "المجتمع الدولي سيفرض على "إسرائيل" وقف اعتداءاتها"... وتطول اللائحة، تطول حدّ امتلاء سلّة المهملات تلك.
إذًا، بالضربة القاضية، أسقطت الولايات المتحدة الأميركية جميع الأقنعة التي لطالما جمّلت بها خياراتها الوحشية، ومنها الشعارات التي تتضمّن عبارات "المجتمع الدولي"، و"القرارات الأممية"، و"احترام سيادة الدول"، و"حقّ الشعوب في تقرير مصيرها"... وإن كانت قبل أعوام خلت تستحصل على قرارات من مجلس الأمن ومن الأمم المتحدة كي تشرعن حروبها وغزوات النّهب التي تقوم بها ضدّ كلّ من يعارض سياساتها المتوحشّة، فهي الآن تحرّرت حتّى من هذه الشكليات المملّة. تتصرّف بذهنية "البلطجي" الذي يستخدم قوّته علانية، غير آبه بأيّ قانون، وغير معنيّ حتّى بشرعنة "بلطجته". عام ٢٠٠٣، تذرّعت الولايات المتحدّة الأميركية بإذن دوليّ لاجتياح العراق وإن لم يصدر تفويض صريح بذلك عن مجلس الأمن، إلّا أن قرار الأخير رقم ١٤٨٣ في أيار ٢٠٠٣، أي بعد حوالي الشهر والنصف من الاجتياح، بدا كمباركة للغزو الذي اشتركت فيه مع بريطانيا. وقبل ذلك، اتخذ الأميركيون القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ضدّ أفغانستان ولا سيّما القرار ١٣٣٣ في كانون الاول/ ديسمبر ٢٠٠٠ والقرار ١٣٧٨ في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠١ مقدّمة لشن الحرب على البلاد في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٠١. وكما في الحروب، كذلك في اعتقال الرؤساء والذي شكّل دائمًا تعدّيًا على سيادات الدّول، ومنها صربيا وليبيريا وهندوراس والعراق.
السّابقة في اختطاف الرئيس الڤنزويلي مادورو تتجاوز جريمة اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، وتتمثّل في إجراءات محاكمته التي تجري حاليًّا في محكمة محليّة داخل الولايات المتحدة الأميركية لا في محكمة فنزويلية ولا دولية. باختصار، يتعمّد الأميركي اليوم مسرحة وحشيّته عبر إسقاط قناع الشعارات التي باتت مستهلكة وممجوجة وانتهت صلاحية استخدامها، والتي كان قد ألزم عبيده في مختلف الدول بتردادها طوال سنين من أجل تبرير انبطاحهم لهم، أو تجميله، ما يضعهم اليوم في مأزق حقيقي، في حالة يمكن وصفها ب"خانة اليَكّ".
وضع الأميركي إذًا جماعته في لبنان، كما في كلّ البلاد، داخل متاهة بلا نهاية، إذ ارتكزت جميع سردياتهم السياسية ومواقفهم الانبطاحية تحت عناوين خاوية كاحترام سيادة الدّول، والديمقراطية، والاحتماء بالقوانين والقرارات الدولية، وبذلك خفّف عن أحرار العالم عبء محاولة إثبات توحّشه وأكاذيبه الشعاراتية، وخرج بوجه عارٍ تمامًا من كلّ مواد التجميل الشعاراتية. ومن لم يرَ الغطرسة الأميركية في الإبادة في غزّة وبرّرها بعنجهية نتنياهو ككائن منفصل عن الإدارة الأميركية، ومن حاول تبريرها في ما ورد من مشاهد مرعبة من داخل أسوار سجن أبو غريب، ومن أراد اختلاق ذرائع للتحقير المستديم لسيادة لبنان لا عبر الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة فحسب، بل عبر المبعوثين الذين يتصرفون كحكام فعليين للبلد... (على سبيل المثال لا الحصر، إذ لا سبيل لحصر جميع الجرائم الأميركية في العالم في مقال)، من لم يرَ أو رأى وبحث عن ذرائع تجميلية، يجد نفسه اليوم في موقف خانق. بكلام آخر، ما كلَّ لسان جماعة السيادة في لبنان عن ترداد الشعارات المستهلكة والملقّنة له في عوكر، لتأتي واقعة اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، ذي قوّة تمثيلية، منتخب من شعبه، لتحرم السياديين من نغمة "الولايات المتحدّة الأميركية" دولة ديمقراطية تحترم سيادة الدول وتحميها. وباستغناء الأميركي عن أكذوبة المجتمع الدولي والقرارات الصادرة عنه، أطاح بالسرديات السيادية اللبنانية المتمحورة حول "انزعوا سلاح المقاومة وستحمينا القرارات الدولية" .
اليوم، وقد عاد العالم إلى مرحلة ما قبل الأمم المتحدة في العام ١٩٤٥، إلى مرحلة الاستعمار المباشر والذي أثبت التاريخ ألّا سبيل لمنعه وإنهائه سوى بالمقاومة وبالحركات التحررية حول العالم، جماعة السيادة، أي أبواق الأمركة، ملزمون بالتصريح عن مرتكزات خطابهم من الآن وصاعدًا والتي يجب أن تخلو من عبارات كالسيادة والديمقراطية وحماية المجتمع الدولي والقرارات الدولية والدبلوماسية وغيرها من المصطلحات التي حوّلها الأميركي بنفسه إلى كومة قمامة في أزقّة العلاقات الدولية. بالطبع، ثمّة من يعتقد أنّ السبيل الوحيد إلى الاحتماء من البطش الأميركي اليوم هو الانبطاح أكثر، ولا أحد منهم يدرك حقيقةً أن هذا الخيار فاشل وعقيم، إذ لن يتعظوا من حال المنبطحين في فنزويلا، والذين رغم مباركتهم لاختطاف رئيس دولتهم، لم يسلموا من تقريع الأميركي لهم، ومن حديثه عن عجزهم بنظره عن تولّي إدارة شؤون بلادهم، وفي ذلك عبرة للسياديين اللبنانيين المنبطحين عند أقدام المبعوثين الأميركيين، إذ ثبت أن الانبطاح والخضوع ليسا كافيين مهما طالا لنيل ثقة الأميركي ورضاه.
لبنان اليوم يتعرّض لموجات الغطرسة الأميركية على مستويات مختلفة، ففيما يقوم الصهاينة بتولّي الجانب العسكري عبر مواصلة العدوان ضاربين عرض الحائط بالقانون الدولي والقرارات الأممية وإعلان وقف إطلاق النار، تتولى الإدارة الأميركية مباشرة ممارسة الغطرسة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية. وطبعًا، فشلت كلّ الشعارات السيادية والأضاليل السياسية والدبلوماسية وغيرها في صدّ مختلف مستويات العدوان، وثبت، لمن لم يكن قد اقتنع بعد، أن السبيل الأوحد لحفظ الأرض والناس يتمثّل بالمقاومة، سلاحًا وفكرًا وخيارًا وجوديًا لا نقاش فيه، ولا تراجع عنه، وكلّ حديث لا يقرّ بهذا الحق، بهذا الواجب، هو انتحار حقيقي.