اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي المعارك مستمرة في حلب.. والجيش السوري يعلن حظرًا للتجول في ثلاثة أحياء

نقاط على الحروف

سقوط الأقنعة وانتحار القانون الدولي
نقاط على الحروف

سقوط الأقنعة وانتحار القانون الدولي

172

تقف البشرية اليوم أمام مشهد سريالي، فمن جهة تمتلك الحضارة الغربية أضخم ترسانة من القوانين والمواثيق التي تتحدث عن كرامة الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن جهة أخرى نرى هذه القوانين تسحق تحت مجنزرات الدبابات في أزقة غزة وقرى جنوب لبنان. إن ما نعيشه ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو انكشاف حضاري كلي، حيث تعرى الزيف الذي تغلف به النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد تبين أن الإنسان الذي كتبت لأجله مواثيق جنيف وحقوق الإنسان هو إنسان انتقائي، يحدد سعره وقيمته بناء على قربه من المركزية الغربية وهويته العرقية، ما جعل العالم يعيش حالة من الفصام القيمي بين ما يقال في أروقة الأمم المتحدة وما ينفذ على أرض الواقع.

الجذور الفلسفية للزيف، المركزية والأنانية

الحضارة الغربية المعاصرة ليست نتاجًا وليد الصدفة، بل هي ابنة فلسفة ترى في الذات الأوروبية الأميركية مركزًا للكون، وما سواها مجرد أطراف أو هوامش. هذا التصور خلق فجوة عميقة بين النظرية والممارسة، فالحرية في الفلسفة الغربية هي حق طالما أنها تخدم مصالح السوق والنموذج الرأسمالي، لكنها تصبح تمردًا أو إرهابًا عندما تطالب بها شعوب الجنوب العالمي للتحرر من التبعية. هذا الزيف البنيوي جعل من القيم الغربية أدوات قوة ناعمة تستخدم لتركيع الدول المعارضة، بينما يجري التغاضي عنها تمامًا عندما يمارس حلفاء الغرب أبشع أنواع القمع. إننا نعيش في ظل إنسانية مجزأة، حيث يعدّ دمار مدينة أوروبية مأساة كونية، بينما يعدّ محو مربعات سكنية كاملة في الشرق الأوسط مجرد أضرار جانبية في سياق مكافحة الإرهاب.

فضح السردية الصهيونية، صناعة المظلومية لشرعنة الإبادة

لا يمكن فهم زيف الحضارة الغربية دون تفكيك الركيزة الأساسية التي يستند إليها مشروعها في منطقتنا، السردية الصهيونية. لقد نجح هذا المشروع في اختراق الوعي العالمي عبر صناعة مظلومية احتكارية تبرر ارتكاب الجرائم تحت غطاء الدفاع عن النفس.

تقوم هذه السردية على مغالطة تاريخية وأخلاقية كبرى، وهي الخلط المتعمد والممنهج بين الصهيونية كحركة سياسية استعمارية وبين اليهودية كدين. هذا الخلط يهدف إلى جعل أي نقد لسياسات الاحتلال أو المطالبة بحقوق الفلسطينيين واللبنانيين يقع تحت طائلة معاداة السامية. لقد تحول مصطلح معاداة السامية من توصيف لعنصرية عرقية حقيقية عانت منها أوروبا تاريخيًا إلى سلاح سياسي وابتزاز أخلاقي يستخدم لتكميم أفواه الجامعات والمنظمات والحكومات التي تحاول إدانة المجازر. إن العالم يدرك الآن أن معارضة كيان يرتكب إبادة جماعية ليست كراهية لليهود، بل هي أرقى أشكال التمسك بالقيم الإنسانية العالمية.

غزة، مختبر الإبادة وصمت العالم الحر

تمثل الإبادة الجماعية في غزة النموذج الصارخ لما وصلنا إليه من انحدار أخلاقي. منذ تشرين الأول 2023 تحولت غزة إلى ساحة اختبار لأحدث الأسلحة الأميركية الفتاكة، ليس ضد جيوش، بل ضد نسيج مدني كامل.

 عندما يجري تدمير المستشفيات والجامعات ومحطات تحلية المياه واستهداف مراكز الإيواء، فنحن لسنا أمام أخطاء عسكرية، بل أمام استراتيجية محو تهدف إلى جعل الحياة مستحيلة.

إن استجابة الغرب بقيادة الولايات المتحدة لسياسة التجويع التي تمارس ضد مليوني إنسان كشفت عن وحشية لا تقل عن وحشية العصور الوسطى، بل تزيد عليها بأنها تمارس تحت بصر الكاميرات وبغطاء سياسي يمنع حتى التنديد اللفظي المؤثر. غزة اليوم هي الشاهد الحي على أن القانون الدولي الإنساني لا يطبق إلا إذا كانت الضحية تمتلك موافقة أميركية على حقوقها.

لبنان، استنساخ التدمير وكسر السيادة

لا ينفصل المشهد في لبنان عما يجري في غزة، فهو امتداد لعقلية الاستعلاء الاستعماري. في لبنان نرى كيف تنتهك سيادة دولة كاملة، وتدمر قراها الحدودية، ويهجر مليون إنسان من بيوتهم في أيام معدودة، كل ذلك بضوء أخضر أميركي واضح.

المجازر التي وقعت في القرى اللبنانية وفي قلب العاصمة بيروت لم تكن لتحدث لولا الشعور بالحصانة المطلقة التي تمنحها واشنطن لـ"إسرائيل"، هنا يسقط شعار احترام سيادة الدول الذي لطالما تشدق به الغرب في أزمات أخرى، فسيادة لبنان مستباحة لأنها لا تتماشى مع الخريطة الأمنية التي ترسمها القوى الكبرى للمنطقة. إن استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا وضرب البنى التحتية المدنية في لبنان هو تأكيد على أن النموذج الغزي قابل للتكرار في أي بقعة ترفض الإذعان للهيمنة.

تعطيل القانون الدولي في ظل الهيمنة الأميركية

لقد تحول القانون الدولي من منظومة عدالة إلى منظومة إدارة أزمات تخدم القوي. ويمكن رصد تعطيل القوانين عبر ثلاثة محاور رئيسية:

ديكتاتورية الفيتو

 تحول مجلس الأمن الدولي إلى مقبرة للعدالة، ففي كل مرة تحاول فيها دول العالم وقف نزيف الدم، يبرز الفيتو الأميركي كجدار صد يحمي القاتل من المحاسبة. هذا الاستخدام المتعسف للقوة السياسية جعل من المؤسسة الدولية جسدًا بلا روح، وأفقد الشعوب الثقة في أي عدالة تأتي من نيويورك.

ترهيب القضاء الدولي

إن الهجوم الشرس الذي شنته الإدارة الأميركية والكونغرس على المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية هو مسمار أخير في نعش العدالة الدولية. عندما يهدد القضاة بالعقوبات الشخصية لأنهم تجرأوا على النظر في جرائم "إسرائيل"، فإن الرسالة واضحة: نحن فوق القانون، والقانون يسري فقط على من نختاره نحن.
ولا يمكن قراءة أحداث غزة ولبنان دون المقارنة مع الموقف الغربي من أوكرانيا. في أوكرانيا يعدّ قطع الكهرباء والمياه جريمة حرب، وفي غزة يعدّ ضرورة أمنية. في أوكرانيا المقاومة بطولة، وفي فلسطين ولبنان إرهاب. هذه الازدواجية هي التي قتلت المصداقية الأخلاقية للغرب إلى الأبد.

التداعيات المعاصرة، نحن والنموذج الزائف

لا تزال شعوبنا العربية تعاني من آثار هذا الزيف على مستويات أبعد من السلاح. فهي تعاني من الحصار القيمي. يُطلب منا تبني مفاهيم الحداثة الغربية في التحلل الاجتماعي وتفكيك الأسرة تحت مسمى التحرر، بينما يحظر علينا امتلاك التكنولوجيا السيادية أو استغلال مواردنا الطبيعية بحرية. إن الهيمنة الأميركية تفرض نظامًا عالميًا يقوم على التبعية الدائمة، حيث يسمح لنا بالاستهلاك ويحظر علينا الإنتاج، ويسمح لنا بالبكاء على ضحايانا ويحظر علينا الدفاع عنهم. هذا التناقض الصارخ يعزز الشعور بالاغتراب داخل مجتمعاتنا ويجعل من الحضارة الغربية نموذجًا غير صالح للاقتداء.

إن الإبادة في غزة والمجازر في لبنان هي لحظات تنوير مؤلمة. لقد علمتنا هذه الأحداث أن الأمن الحقيقي لا يأتي من المجتمع الدولي الواهم، ولا من المواثيق التي تكتب بمداد الغدر، بل يأتي من القوة الذاتية والوعي بالحقوق. لقد سقطت الأسطورة التي تقول إن الغرب هو حامي الحريات، فالحرية في نظرهم تنتهي حيث تبدأ مصالح "إسرائيل" وأميركا.

إن الطريق نحو المستقبل يتطلب فك الارتباط بين التقدم التقني وبين التبعية الأخلاقية للغرب. الحضارة الحقيقية ليست هي التي تملك السلاح الأقوى، بل هي التي تملك الأخلاق التي لا تتجزأ. إن كفاح أهلنا في غزة ولبنان هو في جوهره صرخة لاستعادة إنسانية العالم التي اختطفتها الهيمنة، وتأكيد على أن الحق الذي وراءه مطالب لن يموت مهما بلغت درجة الزيف والتوحش في هذا النظام العالمي المشوه.

​من القرصنة السياسية إلى العبودية الرقمية: عصر "قانون الغابة" الجديد

من هنا تؤكد عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مكان إقامته أنها ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي إعلان وقح عن نهاية عهد "السيادة الوطنية" وانطلاق شرارة "القرصنة الدولية" برداء أميركي. إن هذا السلوك يثبت أننا سائرون بسرعة البرق نحو "قانون الغابة"، حيث لا حصانة لرئيس ولا اعتبار لإرادة الشعوب أمام رغبات القوى الكبرى.

​ويتزامن هذا التغول السياسي مع مخاطر "الثورة الصناعية الرابعة"، التي بدلاً من أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان، يجري استغلالها من قبل رموز الاستعمار الحديث كأداة لاستعباد البشر. فمن خلال الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الكلية، يسعى هؤلاء إلى تحويل العالم إلى سجن رقمي كبير، حيث يُسلب الإنسان إرادته وقيمه تحت وطأة التبعية التكنولوجية. إن ما نراه اليوم هو محاولة لبعث عصر العبودية بأساليب "ذكية"، ما يفرض على الشعوب ضرورة التحرك العاجل لاستعادة كرامتها والحفاظ على ما تبقى من قيم إنسانية قبل أن تبتلعنا خوارزميات الاستعمار الحديث التي لا تعرف أخلاقاً ولا قانوناً.

الكلمات المفتاحية
مشاركة