مقالات
كاتب وباحث لبناني في الشؤون العسكرية
في توصيف العملية التي نفّذتها قوة "دلتا فورس" الأميركية والتي أدّت إلى خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، لا يختلف اثنان من خارج فلك أميركا على أنها عملية من خارج القانون الدولي، وأنها في التوصيف الدقيق كناية عن بلطجة تعكس مستوى الغطرسة الذي وصل إليه ترامب.
لم يكن مفاجئًا أن تُقدِم أميركا على تنفيذ عدوان على فنزويلا، لكن المفاجأة كانت في اعتماد أسلوب مختلف عن المعتاد وهو خطف الرئيس الفنزويلي وليس اغتياله.
بالمبدأ يمكن الجزم أن العملية جاءت بعد إحاطة استخباراتية واسعة وتم تنفيذها بقدرات عسكرية متقدمة، ساعدت مجموعة من العوامل على نجاحها وهي:
1- قرب المكان الذي كان فيه الرئيس الفنزويلي من الشاطئ (حوالي 19 كلم فقط) ما يعني أن الطوافات لا تحتاج لأكثر من 10 دقائق للوصول إلى مكان العملية.
2- استخدام القوات الأميركية طيفًا واسعًا من معدات الحرب الإلكترونية للتشويش على شبكات الاتصالات الفنزويلية، واستخدام طائرات الشبح إف–35 لضرب منظومات الدفاع الجوي والقواعد الجوية.
3- وضع منظومة القيادة والسيطرة للجيش الفنزويلي خارج الخدمة بسبب قطع الاتصالات ما أفقد الجيش القدرة على التصدّي ووضعه بحالة شلل تامّة.
4- وجود خيانة في الفريق اللصيق بحراسة الرئيس ما أدّى إلى تسريع تنفيذ العملية ونجاحها.
الهدف الأساسي من العملية هو إخضاع فنزويلا والسيطرة على ثرواتها، وهو ما أعلنه ترامب ومسؤوليه بشكل مباشر وعلني.
قبل العملية استندت فنزويلا إلى مجموعة من المقومات ارتبطت بـ:
1- الثروات الطبيعية الكامنة والكبيرة وعلى رأسها أكبر احتياطي نفط في العالم.
2- البعد الفكري القائم على البوليفارية (نسبة لسيمون بوليفار محرّر أجزاء واسعة من أميركا اللاتينية)، وهو البعد الذي عمل عليه بقوة الرئيس الراحل هوغو تشافيز عبر ترسيخ الهوية والانتماء.
3- القوّة الشعبية المسلحة الرديفة للجيش والقوى الأمنية.
4- الدعم السياسي الخارجي من روسيا والصين بشكل خاص.
حتى اللحظة لا يمكن الجزم بأن فنزويلا سقطت، لكنها تحت ضغوط وتهديدات هائلة عسكرية واقتصادية من قبل أميركا، وأنها لا تزال تحت الصدمة.
في مقاربة جديدة لمكامن القوة وإمكانية الصمود يجب أن تتوفر ثلاثة اتجاهات للحفاظ على سيادة فنزويلا:
1- عدم انهيار الآلية الدستورية الحالية عبر استمرار حالة التوافق بين أعضاء الحكومة وقيادة الجيش والحزب الحاكم، وهو ما يسير حتى اللحظة ببعد منتظم، لكن المخاطر بعدم استمرار الآلية الدستورية تكمن في استمرار التهديدات الأميركية بتصفية أي مسؤول يعارض الغطرسة الأميركية. وعلى الرغم من أن الرئيس المخطوف وكذلك نائبته التي تقوم بمهامه وكل أعضاء الحكومة وافقوا سابقًا على مناقشة عودة شركات النفط الأميركية للعمل في فنزويلا، إلا أن ترامب فعل ما فعله وهو مستمر في إملاء شروطه لإجبار الحكومة الفنزويلية على الخضوع وتنفيذ إملاءاته، ما يدفع الأمور نحو عدم الانتظام وفقدان السيطرة، خصوصًا أنه قبل العملية كان هناك طرق عديدة لتصدير النفط الفنزويلي، أمّا الآن فإن هناك حصارًا كاملًا، لا بل عمليات قرصنة لاحتجاز الناقلات لمنع أي عملية تصدير، كما بإمكان ترامب التهديد بضرب المنشآت النفطية لمنع أي عملية إنتاج للاستهلاك الداخلي.
2- عدم حدوث فوضى داخلية، خصوصًا أن هناك انقسامًا سياسيًا حادًا وكبيرًا بين الحزب الحاكم والمعارضة، ولكل من الجهتين أعداد كبيرة من الأنصار، وهو ما لا يريده ترامب حاليًا، إلا أنه باستطاعته الدفع نحو الفوضى والحرب الأهلية في حال عدم تجاوب الحكومة مع إملاءاته عبر دعم المعارضة الفنزويلية وتسليحها.
3- عدم حدوث أي انقلاب عسكري، أو بالحد الأدنى عدم وجود مؤشرات لانقسامات في صفوف الجيش الفنزويلي، وتحديدًا في قياداته.
الأيام القادمة على فنزويلا مصيرية وشديدة الحساسية والتعقيد، خصوصًا إذا تم تفعيل العقوبات بشكل أكبر ووضعت فنزويلا تحت حصار خانق، ما سيزيد من حدّة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وهي الأخطر على الإطلاق.
علمًا أن أحد مقومات صمود فنزويلا السابقة، وهي الدعم السياسي من روسيا والصين، لا يبدو أنها فاعلة في المرحلة الحالية والقادمة، فجلّ ما يمكن لروسيا والصين فعله هو استخدام الفيتو في مجلس الأمن، وهذا ما لا يعيره ترامب أي اهتمام، خصوصًا أنه أعلن خروج أميركا من 66 منظمة دولية، ربما تكون مقدّمة لخروج أميركا من الأمم المتحدة ومجلس الأمن نفسه.