اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رون درمر يظهر مجدّدًا بعد استقالته.. والعنوان التنسيق الأمني مع واشنطن

مقالات

ثورة تولد من رحم الاستهداف.. إيران تكسر حصار السردية بريمونتادا دبلوماسية
مقالات

ثورة تولد من رحم الاستهداف.. إيران تكسر حصار السردية بريمونتادا دبلوماسية

86

بدأت ملامح المشهد الإيراني تتضح تحت ضغط خارجي غير مسبوق، بعدما أدرك قطاع واسع من الشعب الإيراني أن محاولات زعزعة الاستقرار ليست سوى امتداد مباشر لحرب حزيران الماضية التي استمرت اثني عشر يومًا، وهي مواجهة تركت آثارًا عميقة في الوعي الشعبي والسياسي. فقد بات الإيرانيون ينظرون إلى التدخلات الأميركية و”الإسرائيلية” السافرة على أنها لا تستهدف دعم مطالب إصلاحية بقدر ما تسعى إلى تفكيك الدولة من الداخل وتحويلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. هذا الوعي الجماعي شكل نقطة تحول مفصلية، حيث تحول الإحساس بالخطر الوجودي إلى دافع وطني صلب يرفض الارتهان للإملاءات الخارجية التي حاولت استغلال الأزمات الداخلية لتمرير أجندات تمس سيادة البلاد ووحدتها.

اللافت أن الأثر السلبي للتدخلات الأميركية و”الإسرائيلية” انقلب عكسيًا على أصحابها، فبدلًا من إضعاف النظام ساهمت الضغوط في تعزيز التماسك الوطني. وقد تجسد ذلك في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة قلبت المشهد رأسًا على عقب، حين استدعت الخارجية الإيرانية سفراء بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ووضعتهم أمام شاشات عرض كبيرة نقلت مشاهد موثّقة لأعمال عنف وحرق وقتل استهدفت عناصر الأمن، نفذها ملثمون ومخربون مندسون بين المتظاهرين. بهذه الخطوة، وضعت القيادة الإيرانية الغرب أمام مسؤولياته، وكشفت زيف الادّعاءات التي روّجت لسلمية التحركات، مؤكدة أن ما يجري هو عدوان ممنهج مدعوم من أجهزة استخبارات خارجية، لا احتجاجات مطلبية. هكذا انتقلت إيران من موقع الاتهام إلى موقع من يواجه العالم برواية مضادة مدعومة بالوقائع والشواهد.

ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الثبات إلى حالة من التجدد السياسي والشعبي، حيث برز شعار الثورة تولد من جديد كعنوان لمرحلة تتجاوز البعد العاطفي إلى عمق إستراتيجي واضح. فقد خرج الرئيس مسعود بزشكيان إلى الشارع وسط حشود مليونية ضمت مختلف فئات المجتمع، في مشهد نقل المواجهة من الغرف المغلقة إلى الميادين العامة. هذه الصور رفعت معنويات أنصار الدولة، وكشفت تراجع الزخم لدى التحركات المعاكسة، مؤكدة أن النظام لا يزال يمتلك قاعدة شعبية واسعة قادرة على حماية مؤسساته. هذا الالتفاف الشعبي فرض على القوى الدولية إعادة حساباتها، فبدأت واشنطن تخفف من حدة خطابها وتتّجه نحو التهدئة والدعوة إلى التفاوض، وسط تقارير تشير إلى عدم جاهزية الجيش الأميركي لخوض مواجهة عسكرية في المرحلة الراهنة، وهو ما يمكن اعتباره مكسبًا سياسيًا لإيران في توقيت بالغ الحساسية.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في حالة الارتباك التي طغت على الموقف "الإسرائيلي"، حيث أوصت التقديرات الأمنية لجيش الاحتلال بتجنب الدخول في مواجهة مباشرة في الوقت الحالي، محذرة من أن أي ضربة قد تأتي بنتائج عكسية وتؤدي إلى توحيد المجتمع الدولي خلف إيران. ورغم بقاء احتمالات الخداع الإستراتيجي قائمة من قبل ترامب ونتنياهو، فإن الصمود الإيراني فرض واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله. فقد نجحت الجمهورية الإسلامية خلال يوم واحد في تنفيذ ريمونتادا دبلوماسية تاريخية أعادت تصحيح صورتها أمام الرأي العام الدولي، وأجبرت خصومها على خفض مستوى التصعيد ولو مؤقتًا، مؤكدة أن ثورة عام 1979 لا تزال تمتلك أدوات التجدد والقدرة على إدارة الأزمات الكبرى بعيدًا عن أوهام التغيير القسري التي تروج لها الماكينات الإعلامية الغربية.

الآن، يبدو المشهد الإيراني أكثر تماسكًا وثقة، بعدما تحولت التهديدات إلى فرص حقيقية لإعادة بناء الثقة الوطنية. السردية التي حاولت تصوير إيران كدولة هشة سقطت أمام صلابة الواقع، ليبقى شعار الثورة تولد من جديد عنوانًا لمرحلة مقبلة تتسم بالسيادة والاستقرار. لقد بات واضحًا أن إيران ليست مجرد نظام سياسي، بل كيان حضاري واجتماعي متجذر، يمتلك من الإرادة والأدوات ما يكفي لحماية منجزاته وإحباط المخطّطات التي تستهدف أمنه واستقراره، ليظل المحور الإيراني رقمًا صعبًا في معادلة "الشرق الأوسط"، عصيًا على الكسر أمام رياح التغيير الآتية من الخارج.

الكلمات المفتاحية
مشاركة