مقالات
عميد متقاعد في الجيش اللبناني
تتناقض التصريحات بين «قوات سورية الديمقراطية» (قسد) ووزارة الدفاع السورية حول مَن يسيطر على حيّ الشيخ مقصود شمال حلب؛ فحين تُصرّح وزارة الدفاع السورية أنّها سيطرت على الحيّ المذكور، ومعه حيّ الأشرفية المحاذي والأصغر مساحةً والأقلّ سكانًا، وأنّها تتابع عمليّتي التفتيش والتنظيف من مقاتلي «قسد»، تقول الأخيرة إنّ عددًا كبيرًا من عناصرها ما زال يتواجد في الحيّين، وأنّ مَن انسحب وخرج منهما عبر باصات وزارة الدفاع السورية والمعابر التي فتحتها هم بأغلبيتهم من المدنيّين، ومن المصابين وأهاليهم، الذين خرجوا وتوزّعوا بين مناطق عفرين ومنبج وبعض أحياء حلب الأخرى.
في الواقع، تطرح الاشتباكات التي حصلت في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية شمال حلب عدّة تساؤلات عن توقيتها وأهدافها ومسبّبيها الفعليّين، وعن تأثيراتها الفعلية لاحقًا على الوضع في سورية بشكلٍ عام، ويمكن الإضاءة عليها كالتالي:
لناحية التوقيت والأهداف، كان واضحًا أنّها ترتبط بحصول الاتفاق الأمني بين كيان الاحتلال «الإسرائيلي» وحكومة الشرع الانتقالية، وحيث لم تظهر حتّى الآن حقيقة بنود هذا الاتفاق، الذي نتج عن اجتماعات سريعة لأقلّ من ٤٨ ساعة في باريس بين مسؤولين من الطرفين، مع ترجيح حصول العدوّ «الإسرائيلي» على النسبة الأكبر من المكتسبات فيه، لأسبابٍ كثيرةٍ معروفة. ليأتي القرار السوري السياسي والعسكري، وإرضاءً لتركيا، بإنهاء تواجد «قسد» في المناطق السورية الشمالية غرب نهر الفرات، والتي تتمثّل عمليًّا بحيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وبمنطقة (مسكنة – دير حافر)، والممتدّة غرب النهر مباشرةً بين مدينة الرقة وسدّ تشرين وصولًا إلى دير حافر شمال شرق حلب.
والذي يُؤشّر إلى هذا الارتباط بين الاشتباكات والاتفاق الأمني بين حكومة الشرع وحكومة العدوّ، وبالتالي إلى رغبةٍ تركيةٍ بتقليص نفوذ «قسد» بشكلٍ سريع، أنّ شرارة هذه الاشتباكات كانت سخيفةً وغير ذات أهمية، نسبةً إلى ما كان يحصل سابقًا بين الطرفين من أحداثٍ أكثر خطورةً وأهمية، ولم تكن تؤدّي إلى ما حصل مؤخرًا من معارك عنيفة سبّبت عددًا كبيرًا من القتلى والمصابين لدى الطرفين، مع تهجيرٍ واسعٍ لأبناء الحيَّين المذكورين؛ خاصّةً أنّ هناك اتفاقًا واسعًا بين حكومة الشرع و«قسد»، من ضمن بنوده وجود هامشٍ من الوقت يسمح لـ«قسد» بإبقاء وحداتها في مناطق انتشارها الحالي، ريثما يتمّ تطبيق الحلّ النهائي ودمج وحداتها مع الجيش السوري.
عمليًّا، تُحضّر وحدات وزارة الدفاع السورية حاليًّا لنقل الاشتباكات إلى منطقة دير حافر، وحيث تفيد المعطيات الميدانية بحشدها عددًا كبيرًا من القوّات المجهّزة بأسلحةٍ فوق المتوسّطة. وقد حضرت إعلاميًّا لهذه الخطوة من خلال اتّهام «قسد» بأنّها تنشر قدراتٍ عسكريةً وأسلحةً فوق العادي في دير حافر، تحضيرًا لعملٍ عسكريٍّ هجوميٍّ ضدّ مناطق سيطرة وزارة الدفاع السورية شمال شرق مدينة حلب.
في الواقع، وحيث بدأ المشهد الميداني يكتمل لناحية أرجحيّة نجاح وزارة الدفاع السورية في إنهاء سيطرة «قسد» في أحياء حلب وفي منطقة دير حافر أيضًا، فإنّ ردّة الفعل الأميركية لما تتعرّض له حليفتها الأساسية في سورية «قسد» كانت باهتةً وغير مؤثّرة لناحية العمليات العسكرية غرب نهر الفرات. الأمر الذي سيكون عكس ذلك حتمًا بمواجهة أيّ قرارٍ سوريٍّ أو سوريّ – تركيٍّ بمهاجمة «قسد» شرق الفرات، حيث مسار الدعم الأميركي الطويل تاريخيًّا لـ«قسد» ثابت، وحيث مستوى هذا الدعم تطوّر مؤخرًا بشكلٍ لافتٍ وفاعل. وبالتالي، من الطبيعي أن يكون الوقت قد أصبح مناسبًا اليوم لتفعيل استثمار الأميركيين بـ«قسد»، أوّلًا لمصلحة نفوذهم وتغطيةً لاحتلالهم ولسرقتهم النفطَ السوريّ شرق الفرات، وثانيًا لمصلحة «إسرائيل» كنقطة ارتكازٍ مؤثّرةٍ خدمةً لإستراتيجيتها، لا تختلف عن شمال الصومال (صوماليلاند).