خاص العهد
بين دفتي كتاب "السيد نصر الله ورؤاه لعزّة الأمة زمن التحديات" لمؤلفه الشيخ الدكتور أحمد جاد الكريم النمر، ينبعث صوتٌ يتحدث عن تجربة حياة وقيم وأفكار صاغتها التضحية والوعي، صوتٌ يرسم ملامح مقاومة لا تقتصر على السلاح، بل تمثل فلسفة كاملة للحياة والكرامة.
وفي حوار يتجاوز مجرد تقديم كتاب جديد، يفتح لنا الدكتور الجامعي والأستاذ الحوزوي الشيخ أحمد جاد الكريم النمر نافذة على خلفياته الفكرية والوجدانية، مستعرضًا رؤيته للمقاومة من منظور مختلف، لا يكتفي بالتحليل السياسي أو العسكري، بل يغوص في أعماقها الثقافية والروحية، ليقدم قراءة متكاملة لمسارها وقيمها الجوهرية.
حديثٌ يكشف دوافع التأليف، ومنهجية البحث، والرسالة التي أراد إيصالها للأجيال، مستعرضًا رؤية متكاملة لمدرسة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله بوصفها مشروع حياة ووعي، لا مجرد تجربة نضالية عابرة.
يقول الشيخ الدكتور أحمد جاد الكريم النمر: "فكرة هذا الكتاب وُلدت من مخاضٍ وجداني وبحثي عميق؛ فالمحرك الأساس كان الاستجابة لنداء سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله حين زلزل فينا السكون بوصيته الخالدة التي اعتبرتُها لزامًا أخلاقيًا ومعرفيًا، وهي قوله: "هناك من يجب أن يحمل صوت دمائنا إلى الأمة.. إلى هذا الجيل.. إلى كل الأجيال.. هناك من يجب أن يُعبر عن موقفنا، عن صرختنا، عن ثباتنا وعن أهدافنا".
ويضيف لـ "العهد": "لقد كان الدافع الجوهري من تأليف الكتاب هو تحويل هذا "الصوت" إلى وثيقة فكرية ترصد التحولات القيمية التي أحدثها السيد نصر الله (رضوان الله عليه)، وسد الفجوة في الدراسات التي أغفلت الجانب الروحي والثقافي للمقاومة لصالح التحليل السياسي أو العسكري الصرف، فبينما ركز الكثيرون على "بندقية" المقاومة، ركزتُ أنا على "عقلها وقيمها"، مردفًا: "ومن الناحية البحثية فهي الحاجة الماسة لتوثيق إرث قائد استثنائي صاغ ثقافة أمة بين عامي (1992-2024)، في الزمن المعاصر، وتقدير دوره الحركي والقيادي في مواجهة التحديات الوجودية".
مضمون غني
بحسب الشيخ النمر، يبدأ الكتاب بتتبع النشأة الأسرية والاجتماعية للسيد نصر الله، وتكوينه العلمي في حوزات النجف وقم، وكيف صُقلت شخصيته على يد أساتذة كبار كالشهيد الصدر. ثم بعد الكشف عن أصالة مفهوم ثقافة الحياة في فكر السيد، إلى جانب عدة مفاهيم لها ارتباط وثيق جدًا بهذا المفهوم، يستعرض الكتاب المرتكزات الشرعية المستلهمة من "المنظومة الإلهية" (القرآن والسنة) وفكر المرجعيات القادة، وصولًا إلى مرتكزات الثقافة العقدية والقيمية والسياسية وأبعادها المختلفة. ثم يستعرض تحديات الهيمنة وتأثير ثقافة الحياة في مفاهيم وأداء بيئة المقاومة، وكيف تحولت هذه الثقافة إلى "قوة دفع استراتيجية" لدى المقاومة ومجتمعها في لبنان في التحرير عام 2000، مرورًا بنصر تموز 2006، وصولًا إلى معركة أولي البأس والصمود الأسطوري للمقاومة وبيئتها، وكيف صهرت المجتمع في بوتقة التكافل والوعي والتضحية لمواجهة "الحرب الناعمة".
كما يتوسع الكتاب ليشرح كيف تمددت مدرسة السيد نصر الله لتصبح "مدرسة كونية في الأخلاق الجهادية"، مقدمًا نموذجًا للمقاومة التي تنصر المظلوم في كل الساحات (وحدة الساحات)، مما جعلها قطب رحى في موازين القوى الدولية، على ما يورد الشيخ النمر، ويُختتم الكتاب بمضمونٍ غاية في الأهمية، وهو ربط هذه المسيرة بالتمهيد لـ "دولة العدل الإلهي المطلق". ويُبين كيف أن كل تضحية في جنوب لبنان أو غيره هي في جوهرها بناءٌ للقواعد الفكرية والميدانية لظهور صاحب الزمان (عج).
ويشدد الشيخ النمر على أن الفكرة الأهم التي سعى لإيصالها هي أن المقاومة ليست "سلاحًا" فحسب، بل هي "وعي وإيمان"، قائلًا: "أردت للقارئ أن يدرك أن القوة الحقيقية تنبع من المنظومة القيمية التي تجعل الإنسان عصيًا على الاستسلام، وأن المقاومة بناءٌ للحياة بكل أبعادها: النفسية، والاجتماعية، والروحية، حتى لو تطلب ذلك بذل أغلى التضحيات؛ فالشهادة في هذه المدرسة هي "بداية لحياة كريمة أبدية" وهي الوقود الذي لا ينضب للصمود وتحقيق الانتصارات".
المقاومة وبيئتها سدنة الحياة
حول اختيار العنوان، يوضح الشيخ النمر أنه اختاره ليكون ردًا معرفيًا مباشرًا على محاولات "الماكينة الصهيو - أميركية" وأدواتها التي حاولت وَصم المقاومة بـ "ثقافة الموت"، بينما الكتاب يثبت أن المقاومة وبيئتها سدنة الحياة الحقيقية؛ فهي ليست أكلًا وشربًا بل هي سيادة وعزة.
كذلك، يبرهن الكتاب أن مدرسة السيد نصر الله هي الذروة العليا لـ "فلسفة الحياة العزيزة"، فالمقاوم لا يرمي نفسه في المهلكة، بل يقتحم الموت ليصنع الوجود الذي يرتضيه الله لعباده، وهو وجودٌ عزيز مقتدر. ويبيّن الكتاب أن الحياة في منطقنا ليست مجرد تنفس بيولوجي، بل هي سيادة وكرامة، وما دون ذلك هو "موتٌ مُموّه"، وفقًا للشيخ النمر، ويربط العنوان أيضًا بين رؤى القائد وبين "زمن التحديات"، ليؤكد أن هذه المنظومة هي "استجابة شاملة" لكل التهديدات الوجودية المعاصرة (عسكريًا، وثقافيًا، واجتماعيًا).
نبض الكتاب
حول الفصل الذي يعتز به أكثر من غيره، يخبرنا الشيخ النمر أنه رغم وحدة الكتاب البنائية، فالفصل الرابع (تجليات الثقافة في الميدان والمجتمع)، هو نبض الكتاب؛ فالفكرة الأهم التي سعى لإيصالها هي أن المقاومة ليست "سلاحًا" فحسب، بل هي "وعي وإيمان"، مردفًا: "أردت للقارئ أن يدرك أن القوّة الحقيقية تنبع من المنظومة القيمية التي تجعل الإنسان عصيًا على الاستسلام، وأن المقاومة بناءٌ للحياة بكلّ أبعادها: النفسية، والاجتماعية، والروحية".
في سياق آخر، يشير الشيخ النمر إلى أنه لم يترك الفكرة تقوده عشوائيًا عند الكتابة، بل التزم بخطة منهجية صارمة تعتمد المنهج "الوصفي التحليلي" و"تحليل المضمون الكيفي" لخطابات السيد (1992 - 2024). ومع ذلك، "كنتُ أفسح المجال لـ "الإلهام الوجداني"، حين تتقاطع نصوص الوحي مع وقائع النصر الميداني، لينمو الكتاب ككائن حيّ يتنفس من واقع التجربة".
الفخر واليقين
وعند سؤاله عن الشعور الذي أراد أن يوصله للقارئ، يجيب: "أتمنى أن يشعر من يقرأ كلامي بأن "النصر لا يُقاس بالخسائر المادية"، بل بالقدرة على الثبات وحماية الهوية. وأريد له أن يخرج بقناعة أن "الدم والمداد" صنوان؛ فالدم يكتب النصر في الميدان، والمداد يخلده للأجيال والتاريخ. أتمنى أن يشعر كلّ فرد في بيئة المقاومة بـ "الفخر واليقين"، الفخر بانتسابه لهذه الثقافة التي تزرع الأمل من رحم الشدائد، واليقين بأن إرادة الحق المستمدة من الله لا يمكن أن تُهزم"، مشددًا على أن الكتاب دعوة للتأمل في سر فرادة السيد نصر الله، وكيف يمكن للفكر الأصيل أن يشكّل قوة لا تُقهر، وأن يدرك القارئ أن كلّ قطرة دم زكية هي "بناء للقواعد الفكرية" لدولة صاحب الزمان (عج).
ويختم الشيخ النمر: "كتبت هذا الكتاب لثلاث فئات: للأجيال الصاعدة: لتكون لهم بوصلة فكرية تحميهم من "الحرب الناعمة"، للنخبة الأكاديمية والباحثين: لتقديم نموذج علمي لفهم المقاومة بعمق، لبيئة المقاومة الوفية: تقديرًا لصمودها الذي حوّل الألم إلى وقود لنهضة الأمة".