خاص العهد
في محطة مفصلية طال انتظارها، جاءت انتخابات الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين لتعيد فتح ملف تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان بعد سنوات من التعطيل والفراغ.
هذا الاستحقاق، الذي غاب لنحو عقد كامل، شكّل فرصة لإعادة الاعتبار لمسار يفترض أن يكون ديمقراطيًا وتشاركيًا، في لحظة تتضاعف فيها التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتتزايد فيها أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة وحاجتهم إلى أطر تمثيلية فاعلة.
من هنا، يندرج فوز مؤسسة الجرحى داخل الهيئة الوطنية بمقعد جمعيات المعوقين فئة الإعاقة الحركية عن مرشحها مدير العلاقات والإعلام جواد قاسم، وفوز الجريح محمد جلول بمقعد الإعاقة البصرية كترجمة عملية لرؤية قائمة على التمكين والدمج والمناصرة الحقوقية، بعيدًا عن مقاربات الرعاية و"الشفقة"، وفي خطوة حملت دلالة خاصة لناحية الاهتمام بهذا الحدث الانتخابي المهم.
في هذا السياق، يؤكّد قاسم أنّ المشاركة في الانتخابات الأخيرة للهيئة لم تكن خطوة شكلية أو ظرفية، بل خيارًا نابعًا من قناعة راسخة بضرورة استعادة الدور التمثيلي للأشخاص ذوي الإعاقة بعد سنوات طويلة من التعطيل والفراغ.
ويشرح قاسم في تصريح لموقع العهد الإخباري أنّ قرار الترشّح جاء منسجمًا مع رؤية مؤسسة الجرحى، التي تقوم على بناء شراكات مجتمعية فاعلة، والعمل على التمكين والدمج والمناصرة الحقوقية، مبيّنًا أنّ مسألة الاهتمام بشؤون الإعاقة ليست ملف رعاية اجتماعية، بل قضية حقوق إنسان تتطلّب سياسات عامة واضحة وآليات تنفيذ ملزمة.
ويشير إلى أنّ آخر انتخابات للهيئة الوطنية جرت قبل نحو عشر سنوات، ما أدّى إلى فراغ تمثيلي حقيقي في مرحلة ارتفعت فيها أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة، وتضاعفت فيها التحديات، ولا سيّما مع الانهيار الاقتصادي منذ عام 2019.
ويرى أنّ تعطّل عمل الهيئة ساهم في تهميش حقوق أساسية، وترك الأفراد في مواجهة منظومة معقّدة من العوائق التشريعية والإدارية والإنشائية في مجالات التعليم والعمل والنقل والصحة.
ويلفت قاسم إلى أنّ مرور خمسة وعشرين عامًا على إقرار القانون 220/2000 من دون تطبيق فعلي، يعكس خللًا بنيويًا في مقاربة الدولة لملف الإعاقة، حيث جرى التعامل معه بوصفه شأنًا اجتماعيًا ثانويًا لا أولوية وطنية. ويضيف أنّ الحقوق بقيت حبيسة النصوص، في ما غابت السياسات العامة والخطط التنفيذية، وتراجعت شبكات الحماية الاجتماعية إلى حدّها الأدنى.
وحول نتائج الانتخابات، يوضح قاسم أنّ فوز مؤسسة الجرحى يعكس ثقة واسعة بخطاب حقوقي واضح، وبعمل تراكمي يسعى إلى نقل الهيئة من موقع شكلي إلى إطار تمثيلي فاعل.
كما يشير إلى فوز الجريح محمد جلول (جريح بايجر) بمقعد الإعاقة البصرية بمجموع 477 صوتًا، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ هذه الانتخابات، ويشكّل مؤشرًا على وعي متزايد بأهمية المشاركة والتمثيل.
ويختم قاسم بالتأكيد أنّ المرحلة المقبلة تتطلّب الانتقال من منطق "الشفقة" إلى منطق السياسات العامة القابلة للتطبيق، بما يضمن حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم والعمل والتنقّل والرعاية الصحية، كما ينصّ القانون اللبناني والاتفاقيات الدولية.
ويشدّد على أنّ القيمة الحقيقية للهيئة الوطنية لشؤون المعوقين تكمن في قدرتها على أن تكون قوة ضغط ومساءلة، ومسارًا تصحيحيًا يعيد الاعتبار لحقوق طال انتظارها، ويضع حدًا لسنوات طويلة من الإهمال.
بدوره، قال جريح البايجر محمد جلول، الفائز بمقعد الإعاقة البصرية في الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين، إنّه "في هذه الانتخابات لا رابح ولا خاسر، وأنّ الربح الحقيقي هو الاقتراب خطوة من تحقيق تطلّعات فئة واسعة من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الذين وضعوا ثقتهم بي وبنوا آمالهم على هذا المسار".
وفي تصريح لموقع العهد الإخباري، أوضح جلول أنّه "لا يمثّل صوتًا فرديًا، بل يحمل انتظارات متراكمة لسنوات طويلة من التهميش والتجاهل"، مشددًا على أنّ هذا الواقع "يفرض مسؤولية مختلفة، مسؤولية الفعل لا الظهور".
وأشار إلى أنّ "قرار الترشّح قوبل بموجة دعم لافتة، تمثّلت باتّصالات ورسائل مساندة من جهات وأفراد متعدّدين، دعم عابر للطوائف والانتماءات، التقت فيه النوايا عند هدف واحد واضح، هو القدرة على إحداث فرق حقيقي".
وأضاف أنّ" هذا الدعم لم يكن مجاملة، بل تعبيرًا صريحًا عن حاجة ملحّة، لافتًا إلى أنّ كثيرين عبّروا بوضوح عن رغبتهم بمن يمثّلهم بصدق، ويحاول أن يفعل شيئًا في واقع معقّد لا يرحم".
وعن تجربته الشخصية، بيّن جلول أنّ "التجربة جديدة، لكن المسار ليس وليد اللحظة". وقال إنّ "مواجهته لإصابته قبل نحو عام لم تكن بالإنكار أو الاستسلام، بل عبر مسار منهجي لتجاوز العثرات والعقبات، خطوة بعد خطوة، بعقل وإرادة واعية".
ولفت إلى أنّ "قرار الترشّح لم يكن قفزة في المجهول، بل امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، إذ إنّ المفاجأة الحقيقية كانت حجم الدعم الصادق الذي تلقّاه من أشخاص ذوي إعاقة بصرية من مذاهب وخلفيات مختلفة، بما يؤكّد أنّ الهمّ واحد والحق واحد".
وختم جلول بالتأكيد أنّ "الانتخابات ليست سوى الخطوة الأولى"، موضحًا أنّها "واحدة من بين ألف خطوة لازمة لبناء مجتمع يحترم الحقوق ويضمن الكرامة لفئات جرى تهميشها لسنوات طويلة".