عين على العدو
قال الكاتب والمعلّق السياسي في صحيفة "معاريف" بن كسبيت إن أعيننا تشهد، بعد عامين وربع من ذلك اليوم (عملية طوفان الأقصى)، حدثين متتابعين يذكّران ببعضهما البعض بشكل يبعث على الرعب، مضيفًا: "الحقيقة أن الحكومة القائمة، التي تُعيّن الجهة التي ستحقق معها، لا تختلف كثيرًا عن فكرة أن تكون قطر وتركيا شريكتين في إدارة قطاع غزة في "اليوم التالي". تركيا، الراعي الأكبر لحماس، وقطر التي موّلت حماس على مدى أجيال، واستضافت قيادتها لسنوات طويلة، واحتفلت معها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر (2023)، وإذا كان هناك فرق بين الحدثين، فهو يصبّ لصالح تركيا وقطر".
وتابع: "الحقيقة أن حكومة قادت "إسرائيل" إلى كوارثها، وأن سياساتها على مدى سنوات أنتجت "وحش الإرهاب الحمساوي"، (وفق قوله) هي نفسها التي تُعيّن اليوم لجنة تلميع سياسية مشلولة منذ لحظة ولادتها، بدلًا من "لجنة تحقيق وطنية". وهذا، أخلاقيًا، أدنى حتى من عودة قطر وتركيا إلى موقع الجريمة في قطاع غزة. يمكن للقطريين الادعاء بأن لهم دورًا في جهود تحرير الأسرى، أما الأتراك فيستفيدون من ثقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن الحكومة "الإسرائيلية"، من جهتها، هي المسؤولة الوحيدة عمّا حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وهي التي تُعيّن من يُفترض أن يحقق في ذلك الحدث، أمر لا يُصدَّق".
وأشار بن كسبيت إلى أنه "بعد خمسة أشهر على صياغة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو "المبادئ الخمسة" لإنهاء الحرب، تلك التي تحدد ما سمّاه "النصر المطلق"، يتضح أن كل شيء قد تحوّل إلى فوضى، فقد قال نتنياهو إن "الحكومة برئاستي حدّدت خمسة مبادئ لإنهاء الحرب. هذه المبادئ ستضمن أمن "إسرائيل". هذا هو معنى النصر: تفكيك حماس من سلاحها، إعادة جميع الأسرى أحياءً وأمواتًا، نزع سلاح القطاع، فرض السيطرة الأمنية "الإسرائيلية" على غزة، وإقامة حكم مدني بديل لا يكون حماس ولا السلطة الفلسطينية".
ولفت إلى أنه "قبل يومين أعلن ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطته لـ"السلام". وفي المجلس الاستشاري لغزة جلس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات السابق، وأحد أكثر الشخصيات عداءً لـ "إسرائيل". إلى جانبه جلس الوزير القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، الذي كان حاضرًا في المكتب البيضاوي، وأشرف على مكالمة اعتذار نتنياهو المتعثرة لأمير قطر بعد محاولة الاغتيال الفاشلة في الدوحة".
وأردف: "ليس هذا كل شيء؛ فعلى رأس "حكومة التكنوقراط" التي شُكّلت بموافقة خاصة من أبو مازن، يجلس رجل السلطة علي شعت، المستشار السابق لياسر عرفات. فما الذي نراه هنا؟ حماس لم تُفكك من سلاحها، بل على العكس: هي تُسلّح نفسها، تتعزّز، وتجمع الأصول والشرعية. تسيطر على نصف مساحة غزة وعلى كامل سكانها. القطاع لم يُنزَع سلاحه، بل العكس تمامًا. لم يُعاد ران غوئيلي، رغم إعادة جميع الأسرى الآخرين. و"إسرائيل" لا تملك سيطرة أمنية على القطاع إلا على نصفه، ومعبر رفح سيُفتح قريبًا في الاتجاهين. وبكلمة واحدة: مهزلة. لا نصر، ولا "نصر مطلق"".
ورأى أن "هناك أيضًا بُعدًا عمليًا لما يجري"، قائلًا: "حاولوا أن تتذكروا النقاش العاصف حول إعادة الأسرى خلال العام الماضي من الحرب. المعارضة، وغالبية الجمهور، وغالبية المؤسسة الأمنية، اعتقدوا أن الوقت قد حان لإعادتهم وفق شروط "إسرائيل": وقف مؤقت للقتال، صفقة لإعادة جميع الأسرى، ثم العودة إلى القتال بقوة مضاعفة لاحقًا. لكن نتنياهو، والمتطرفين في حكومته، وأبواقه الإعلامية أصرّوا على الاستمرار "بكل القوة". وخلال ذلك، قُتل عدد من الأسرى. لماذا أصرّوا؟ السبب الرسمي كان تحقيق "النصر المطلق"، والسبب الحقيقي فكان المصلحة السياسية الواضحة لنتنياهو في إطالة أمد الحرب قدر الإمكان. وهكذا وصلنا إلى هذا "النصر المطلق"".
وأضاف: "لم ندمّر حماس؛ فهي ما زالت تسيطر على غزة. لم نُفكك القطاع من سلاحه، ولم نجرّد حماس من قدراتها"، وسأل: "إذًا، لماذا ضحّينا بالأسرى؟"، مردفًا: "هناك نتيجة استراتيجية أيضًا: لو كنا بادرنا إلى وقف الحرب، لكان ذلك تم وفق شروطنا. لكنا حصلنا على تعهّد من ترامب بإمكانية العودة إلى القتال إذا عادت حماس إلى سلوكها السابق، وهو ما كان سيحدث حتمًا، لكننا أصررنا على الاستمرار، إلى أن سئم ترامب وأعلن وقف إطلاق النار بنفسه وسمّاه "سلامًا"".
وختم بالقول ساخرًا: "الآن نحن جميعًا مُلزمون بـ"سلام ترامب". انتهى المشهد بعد أن أكلنا السمك الفاسد وطُردنا من "المدينة". خسرنا حياة إخوتنا وأخواتنا، ولم نحقق الهدف الذي دُفعت كل هذه الأثمان من أجله. تحية لكم. إنجاز فني حقيقي".