مقالات
لا خلاف على أن الولايات المتحدة تمتلك القدرات التكنولوجية والعسكرية لتوجيه ضربات عسكرية قاسية لإيران. لكن السؤال المحوري والأهم، هل هذه الضربة قادرة على إسقاط النظام أو إخضاعه؟ هنا تحديدًا يصبح “التوقيت” كلمة مضلِّلة إذا قُرئت وحدها. لأن توقيت الضربة لا يكفي ما لم نفهم شيئًا آخر: ما الذي يَمنع السقوط أصلًا؟ وكيف يصمد نظامٌ تحت ضغط أمني واقتصادي وعقوبات منذ عقود؟
الفكرة التي يروّج لها بعض التحليل تقول: اضرب في لحظة اختلال داخلي، تتحوّل الضربة إلى “دفعة أخيرة” فتسقط المنظومة. هذا يبدو منطقيًا، لكن هذا التصور يفترض ضمنيًا أن إيران “هرم” قائم على رأس واحد. لكن الواقع أنها أقرب إلى شبكة أعمدة: المرشد ليس مجرد “شخص”، بل عقدة داخل منظومة مؤسسات ودستور وخلافة وأجهزة، تمنح الدولة قدرة صمود تتجاوز القمة السياسية.
الحديث عن أن اغتيال المرشد، رغم تداعياته الهائلة على المنطقة وإيران، سيُسقط الدولة يكشف عن عدم فهم حقيقة واقع إيران. فهو ليس مركز الثقل الوحيد، أضف إلى ذلك أن الجمهورية الإسلامية دولة مؤسسات قادرة على اختيار خليفة بديل، كما حصل بعد وفاة الامام الخميني. أيضًا فإن الدولة التي عاشت حربًا مدمرة وطويلة، وعقوبات مستمرة، وأزمات متتالية، بنت بمرور الوقت قاعدة اجتماعية واسعة وصلبة، وآليات استمرار وخبرة لافتة في إدارة الأزمات.
في كلّ المحطات السابقة كان للقاعدة الشعبية الواسعة الكلمة الفصل في إحباط المخطّط والحروب التي تعرّضت لها. وآليات الاستمرار تحول دون فراغ القيادة. هناك ترتيبات قانونية، شبكات قرار، مراكز قوة متوازنة، ومؤسسات تتقدّم خطوة لتملأ المساحة، وإدارة أزمات أظهرت الكثير من الحكمة، من دون تجاهل الأخطاء في الإدارة، والحفاظ على النواة الصلبة.
لذلك الفرق كبير بين ضربة “تُنتج حدثًا” وضربة “تُحدث انتقالًا”. الأولى ممكنة دائمًا: تُدمّر، تُربك، ترفع مستوى الردع أو التصعيد. أما الثانية فتحتاج أن يكون الداخل نفسه بدأ يتحول من احتجاجات إلى تصدّع داخل الدولة.
النقطة التي كثيرًا ما يتجاهلها منطق “الضربة المُسقِطة”: وجود قاعدة شعبية صلبة للنظام، وهي بالمستوى الذي مكّن إيران من الاستمرار رغم كلّ التحولات العالمية والإقليمية والضغوط المتنوعة، ولم تتراجع عن ثوابتها ومبادئها. ليست المسألة أرقامًا انتخابية، بل “كتلة حرجة” تمنح النظام ما يحتاجه وقت الصدمة: شرعية حدّية، تعبئة مضادة، وشبكات ضبط اجتماعي. هذه الكتلة تتغذى من خليط معروف في هوية وأيديولوجيا، وانتماء وطني ومصالح اقتصادية مرتبطة بالدولة، شبكات رعاية، وذاكرة تاريخية تجعل “الخطر الخارجي” مادة تعبئة فعّالة. هنا تحديدًا تصبح الضربة الخارجية سلاحًا ذا حدين: قد تُحدث أضرارًا جادة للنظام، لكنّها قد تمنحه أيضًا زخمًا جديدًا لإعادة ترتيب الداخل تحت شعار السيادة.
وفوق القاعدة الشعبية، هناك بنية مؤسساتية: أجهزة سياسية وأمنية متعددة الأذرع، اقتصاد صمد في مواجهة أشد الحروب شراسة، ودوائر قرار قادرة على المناورة. ما لم تبدأ هذه المنظومة بالتشقق من الداخل، فإن الحديث عن إسقاط للنظام يبقى رغبة تحليلية أكثر مما هو تقدير واقعي.
صحيح أن الاقتصاد الإيراني في وضع صعب، وأن الضيق المعيشي يفتح الباب للاحتجاج، لكن تحويل الأزمة الاقتصادية إلى “ساعة توقيت” حتمية للسقوط يتجاهل ميزة النظام الأساسية: التكيّف تحت العقوبات. هناك اكتفاء ذاتي واسع، واقتصاد ظل، وشبكات تجارية موازية. هذا لا يعني أن الاقتصاد لا يهدّد النظام، بل يعني أن خط الانكسار ليس خطًا مستقيمًا نحو الانهيار بالضرورة فلدى إيران هامش واسع في هذا المجال.
متى يصبح الحديث عن “لحظة إسقاط” جديًا؟
إذا أردنا معيارًا عمليًا بعيدًا عن الشعارات، فهو التالي: السقوط يصبح ممكنًا عندما ينتقل الاختلال من الشارع إلى داخل الدولة. لذلك لا يكفي أن نسمع عن احتجاجات أو نرى تراجعًا في العملة. المطلوب مراقبة مؤشرات “تصدع منظومي” إذا ظهرت معًا تغيّر التقدير:
تصدّع جوهري وواسع داخل النخبة الحاكمة: خلافات جذرية وعلنية بين مراكز القوّة تتحوّل إلى إجراءات إقصاء متبادلة، أو شلل في القرار.
تشقق في الكتلة الصلبة: فتور التعبئة في البيئات الحاضنة، اتساع النقد داخل قواعد كانت صامتة، أو تراجع الالتزام في شبكات الدعم.
اهتزاز سلوك الأجهزة: اختلاف تطبيق الأوامر بين مناطق، تردّد، أو احتكاكات بين مؤسسات أمنية نفسها.
شلل مالي/إداري يمنع شراء الوقت: اضطراب ممتد في الرواتب، انهيار خدمات أساسية بلا قدرة على الترميم، وتضخم السوق السوداء إلى حد فقدان الدولة أدوات الضبط اليومي.
تبلور بديل تنظيمي: ليس مجرد غضب وشعارات، بل شبكات تنسيق وقيادة أو مرجعيات تستطيع تحويل الاحتجاج إلى مشروع ضغط سياسي.
أزمة استمرارية/خلافة: ارتباك واضح في ملف القيادة ينعكس شللًا في الاستجابة وسرعة اتّخاذ القرار.
من دون هذه المؤشرات، قد يحدث “حدث كبير” لكن بناتج سياسي صغير: ضربة ترفع مستوى الاشتباك وتوسّع المخاطر، ثمّ يعود النظام للمبادرة مع تعبئة وطنية وقمع الهجوم في الداخل والخارج.
إغراء “الضربة المُسقِطة” أنه يقدم وعدًا بنتيجة ضخمة بكلفة محدودة. لكن التجربة تؤكد أن القنابل ليست وحدها التي تقرر مصير الأنظمة، بل تماسك القاعدة الصلبة، وقدرة المؤسسات على إدارة الأزمة، ومرونة الاقتصاد تحت الضغط. لذلك، “التوقيت” شرط مهم، لكنّه لا يعمل وحده. الضربة قد تُسرّع الانهيار إذا كان التصدع قد بدأ داخل الدولة نفسها. أما إذا بقيت الدولة متماسكة داخليًا، فقد تمنحها الضربة فرصة نادرة لتثبيت نفسها كونها الحامي للأرض والشعب والسيادة والمصالح، وربما أيضًا يمنحها المزيد من الوقت لإصلاح الخلل، وهذا ما حصل في العديد من المحطات السابقة.