اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي واشنطن بددت "الحلم الكردي" في الشمال السوري... ماذا عن الوضع في الجنوب؟

مقالات

 اتفاق وقف النار وفخّ الصياغة: كيف يُصنع التأويل على قياس
مقالات

 اتفاق وقف النار وفخّ الصياغة: كيف يُصنع التأويل على قياس "إسرائيل"؟

من 242 و338 إلى 1701: التأويل في خدمة المصالح "الإسرائيلية"
109

كاتب من لبنان

هل للخلاف حول تطبيق وقف إطلاق النار بين لبنان والعدو "الإسرائيلي" المتعلّق بسلاح المقاومة، من أساس؟ وهل الموضوع لغوي أم سياسي؟ وهل تكرَّر الخلاف حول نص القرارين 242 و338 المتعلّقين بانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 مرة أخرى في شأن تطبيق القرار 1701؟ وهل صاغ الأميركيون نص هذا القرار بصورة تخدم التأويل "الإسرائيلي"، كما حصل مع ذانك القرارين؟. 

هذا النقاش يُفتح مجددًا بعد حديث رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي في مقابلة مع قناة "الجديد" عن اختلاف بين النسختين الإنجليزية والعربية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أوقف الحرب "الإسرائيلية" على لبنان في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ولا سيما بشأن الفقرات المتعلّقة بحصر السلاح في جنوب الليطاني فقط أو بدءًا منه. وتحدث ميقاتي عن أن "نسخة الاتفاق التي وصلت إلى لبنان هي باللغة الإنجليزية وتحمل عبارة starting from Southern Litany أو بدءًا من جنوب الليطاني يبدأ سحب السلاح".

سُئل ميقاتي: هل كان يجب أن يُحددوا لنا بدءًا من جنوب الليطاني إلى شماله، أو من جنوب الليطاني إلى الحدود؟

أجاب: "لا، بالنسخة العربية ما في بدءًا، يوجد يُسحب السلاح من جنوب الليطاني، هنا يوجد شوية خلاف، ولكن نحن اعتمدنا بمجلس الوزراء النسخة الإنجليزية التي وصلت لي من السفارة (الأميركية) قبل يوم واحد". وقال إن النسخة العربية موجودة لدى رئيس مجلس النواب نبيه برّي (الذي قاد التفاوض مع الجانب الأميركي)، وأردف بالقول: "توجد ترجمة هكذا تقول، لكن أنا لم أرها". انتهى الاقتباس من المقابلة.

يؤكد كلام ميقاتي وجود أساس لوجهة نظر المقاومة، وأنه ليس مجرد تأويل لاحق وإنما رأي أصيل رافق مفاوضات وقف النار إلى حين إقراره. وبالتالي، فإن الذين يأخذون على المقاومة أنها لا تلتزم الاتفاق أو أنها لا تعرف على ما وافقت، لا يدركون أن هناك نصًا يربط موضوع السلاح بمنطقة جنوب الليطاني حصرًا. إنما صاغ الأميركيون النص بطريقة ملتبسة تفتح الباب أمام تأويله في اتّجاه أبعد من هذه المنطقة، بما يلائم رؤية "إسرائيل" الأمنية. ثمّ أرسلوه إلى مجلس الوزراء اللبناني لإقراره في جلسة مستعجلة عُقدت على وقع ضغط العدوان على لبنان.

والسؤال الذي طُرح على الرئيس ميقاتي بشأن بداية منطقة عمليات الجيش في الجنوب ونهايتها يتطلب من المطالبين بحصر السلاح في الظروف الراهنة جوابًا شافيًا. وثمة نقاش مع أصحاب هذا الطرح: 

 - لو كان النص يدعو إلى حصر السلاح في كلّ الأراضي اللبنانية ضمن اتفاق وقف النار الحالي، لماذا لم يقل "ابتداءً من الحدود اللبنانية - (الفلسطينية)" حيث نقطة الاشتباك إلى أقصى نقطة في شمال لبنان، أو بكلمة واحدة على جميع الأراضي اللبنانية؟ 

 - تحتمل عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" تفسيرًا مختلفًا عن التأويل "الإسرائيلي"، وتتعلق بتحديد نطاق المنطقة التي يشملها تطبيق الاتفاق، أي أن الجيش القادم من شمال المنطقة عليه أن ينتشر تدريجيًا ابتداءً من خط جنوب الليطاني باتّجاه الحدود الجنوبية التي كانت حينذاك محور قتال، ليتولى حصر السلاح في يده ضمن هذه البقعة. وكانت الغاية آنذاك إمساك الجيش اللبناني بالأرض شيئًا فشيئًا، بينما يقدّم جيش العدوّ خطة انسحاب من الأراضي التي يحتلها خلال 60 يومًا، بما يجنّب الطرفين أي احتكاك من البداية. إن اختيار عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" لا يمكن عزله عن السياق الميداني آنذاك، وسبق أن أشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو العارف بدقائق عملية التفاوض والمفوَّض من طرف المقاومة، إلى هذا المعنى. ويتيح هذا التفسير الذي أخذ به الرئيس بري والمقاومة، فهمًا مغايرًا تمامًا للتأويل الأميركي- "الإسرائيلي" الذي يتعامل مع العبارة وكأنها تفويض مفتوح لنزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية.

 - إن عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" التي أدرجها الأميركي و"الإسرائيلي" هي "مسمار جحا" الذي تم دقّه في جسم النص لتبرير الانتهاكات اللاحقة على الاتفاق، مع الإشارة إلى أن البند العاشر من نص الاتفاق يقول صراحة: "ستبلغ "إسرائيل" ولبنان عن أي انتهاكات مزعومة إلى الآلية وقوات اليونيفيل، دون المساس بحقوقهما في التواصل المباشر مع مجلس الأمن الدولي"، أي أنه لا يوجد أي حق يمنحه الاتفاق للرد مباشرة على أي انتهاك مزعوم للاتفاق. 

 - إن عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" تُستخدم لربط اتفاق وقف النار بصورة مباشرة بسلاح المقاومة على نحو شامل وكامل من دون تقييد جغرافي، الأمر الذي يعني رهن وقف العدوان فعليًا بتسليم السلاح، ومصادرة وتعطيل إمكانية التفاهم اللبناني حوله. وهذا التحول خطير وينطوي على ارتدادات عميقة على واقع لبنان واستقراره نلمسه يوميًا، ويسمح للعدو بفرض رؤيته الأمنية على لبنان. 

 - قد يحتجّ المؤيدون لوجهة النظر الأميركية و"الإسرائيلية"، ومنهم وزير الخارجية المفوّه، بأن مقدمة القرار 1701 تتضمن إشارة إلى القرار 1559 الصادر عام 2004، والذي يدعو إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة على جميع الأراضي اللبنانية. ولا بد من تذكير هؤلاء بأن القرار 1701 صدر في أعقاب الحرب "الإسرائيلية" على لبنان عام 2006، ولم يُثر تطبيقه آنذاك مثل هذا الجدل القائم اليوم حول شمال الليطاني، لأن نص القرار واضح بكونه ينطبق على جنوب خط النهر (تنص الفقرة 8 من القرار على "إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة")، ومن ثمّ فإن عطف القرار 1559 عليه لا يعني بصورة أوتوماتيكية أن التنفيذ يتم بالآلية نفسها، لا سيما أن القرار الأخير - بصرف النظر عن ملابساته وظروف صدوره - لا يحدد آلية تطبيقية أو برمجة زمنية معينة. فكيف إذا كان التنفيذ يتم تحت مطرقة الانتهاكات "الإسرائيلية" المتمادية، وهو ما يضرّ قطعًا بأمن لبنان وسيادته؟.

يتضح من ذلك أن القرار 1701 يُستخدم اليوم كأداة ضغط سياسية وأمنية، ما يدل على أن المسألة لا تتعلق بغموض عفوي في النص، بل باستغلال للموقف يهدف لتكريس تحوّل في موازين القوى ومحاولة استثمار الخروق "الإسرائيلية" المستمرة لفرض قراءة أحادية للقرار.

في المحصلة، لا يمكن فصل الجدل الحالي حول القرار 1701 عن سوابق "إسرائيلية" وأميركية تاريخية أثارت جدلًا مماثلًا، أبرزها ما جرى مع القرارين 242 و338 المتعلّقين بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. يومها، صاغ الأميركيون النصوص بطريقة ملتبسة، ضاع فيها مطلب الانسحاب في غياهب "أل التعريف"، حيث تحدث النص بالإنجليزية عن "انسحاب "إسرائيل" من أراضٍ" (Withdrawal of Israeli armed forces from territories occupied in the recent conflict) من دون "أل التعريف"، ما يوحي بالانسحاب من بعض الأراضي التي احتلها جيش العدوّ خلال تلك الحرب. بينما كانت النسخة الفرنسية تشير إلى "انسحاب القوات المسلحة "الإسرائيلية" من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير" (Retrait des forces armées israéliennes des territoires occupés lors du récent conflit)، ما يعني كلّ الأراضي المحتلة في تلك الحرب. وفتح النص بالإنجليزية الباب أمام تهرب "إسرائيلي" من تنفيذ القرار. وما يحدث الآن يوحي بأن النموذج نفسه يُعاد إنتاجه: نص قابل للتأويل وفق حسابات الصرف الأميركية، وميزان قوى دولي يُستخدم لفرض المعنى الذي يخدم "إسرائيل"، لا القانون الدولي.

هكذا، يتبيّن أن الخلاف حول اتفاق وقف النار الذي يستند إلى القرار 1701 ليس لغويًا ولا تقنيًا، بل سياسي وإستراتيجي بامتياز. وهو خلاف يعود إلى لحظة الصياغة، لا إلى مرحلة التنفيذ، ويعكس مرة أخرى كيف تتحوّل اللغة في القرارات الدولية إلى أداة صراع تبرر استمرار العدوان وانتهاك الاتفاقات.


 

الكلمات المفتاحية
مشاركة