خاص العهد
على الرغم من التهديدات المتكرّرة التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنّ الوقائع الميدانية والسياسية تكشف أنّ هذا التصعيد يخفي وراءه قلقًا حقيقيًا لدى ترامب نفسه خشية تنفيذ مخططه. ترامب يدرك أنّ أي مغامرة عسكرية ضدّ إيران لن تكون محدودة النتائج، وستفتح أبوابًا لا يمكن السيطرة عليها إقليميًا ودوليًا، وتدفع المنطقة بأكملها نحو حريق واسع لا تملك واشنطن مفاتيح إطفائه.
في هذا السياق، رأى الدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقهي، في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أنّ التهديدات الأميركية الأخيرة ضدّ إيران تقف خلفها أسباب متعددة، بعضها مرتبط بالوضع الداخلي الإيراني، ولا سيما بعد فشل العدوان الصهيو-أميركي الذي استمر اثني عشر يومًا، وفشل الرهان على تحريك الشارع الإيراني عقب الضربات التي استهدفت منشآت نووية واغتيال قادة عسكريين وعلماء نوويين، حيث كانت التقديرات الغربية تفترض خروج الشعب الإيراني إلى الشارع لـ"إسقاط النظام".
بحسب أفقهي، ما جرى جاء بعكس تلك التوقعات تمامًا. فالانسجام الداخلي والالتفاف الشعبي والاتحاد الوطني شكّل صدمة حقيقية للأميركيين و"الإسرائيليين"، الذين بنوا حساباتهم على تقارير تحدثت عن تذمّر شعبي واسع بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والتضخم. ويؤكد أفقهي أنّ هذا الخطأ في التقدير يعكس جهلًا عميقًا بطبيعة الشعب الإيراني وتاريخه وتراثه، ومدى التزامه بوطنه ومبادئه ووفائه لقيادته، ولا سيما للولي الفقيه آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي.
ويشير أفقهي إلى أنّ الضربة الثانية التي راهن عليها خصوم إيران تمثّلت في الأعمال التخريبية والإرهابية ذات الطابع "الداعشي"، والتي جاءت، بحسب تقديره، لتعويض فشل تحريك الشارع خلال حرب الأيام الاثني عشر. فقد كان المخطّط يقوم على ضرب المرافق الحيوية المادية والمعنوية، من مساجد وحسينيات وبنوك وبنى تحتية وخدمات، بهدف خلق انطباع بانهيار وشيك للنظام ودفع "الطبقة الرمادية" للالتحاق بالمجموعات الإرهابية، تمهيدًا لتدخل عسكري أوسع يشمل إنزالًا أو غزوًا بريًا.
أفقهي يلفت إلى أنّ ترامب دخل هذه المرة الحرب بشكل مباشر ورسمي، معلنًا قيادته لها، بدعم كامل من بنيامين نتنياهو، ما يكشف أنّ التخطيط لهذه العمليات كان قائمًا منذ فترة طويلة. وقد جرى تفعيل ما يُعرف بـ"الخلايا النائمة" بعد صدور الأوامر، حيث قادت القيادات الميدانية مجموعات ضمّت شبانًا مغررًا بهم، وعاطلين عن العمل، وفئات متأثرة بالثقافة الغربية ومعارضة للجمهورية الإسلامية. وبدأت التحركات باعتراضات مطلبية في البازار على قضايا معيشية، ولا سيما سعر صرف العملة، وبقيت سلمية ليوم أو ثلاثة، لكن انتقالها إلى الشوارع والميادين كشف المشروع الإرهابي الحقيقي الذي كان يُحضَّر له أميركيًا و"إسرائيليًا".
ويبيّن أفقهي أنّ الأجهزة الأمنية الإيرانية تعاملت مع الاحتجاجات المطلبية بهدوء ولم تتدخل، لكن مع ظهور السلاح وعمليات الحرق والقتل والنهب والتخريب، نزلت القوى الأمنية إلى الميدان. ولم يشارك الحرس الثوري أو الجيش، بل اقتصر الأمر على قوات "الباسيج"، التي استُهدفت مراكزها بهدف سرقة السلاح وتوسيعه بين المواطنين لتفجير مواجهة شاملة، إلا أنّ هذا المخطّط فشل مع إلقاء القبض على القيادات الأساسية التي كانت تدير العمليات في معظم المدن الكبرى، واستتباب الأمن تدريجيًا.
ومع فشل هذا السيناريو، بدأ ترامب بإطلاق تهديدات مباشرة لإيران، متوعدًا بالهجوم في حال تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتورطين أو استمرار ما وصفه بـ"القتل"، إلا أنّ هذه التهديدات، وفق أفقهي، لم تُخف إيران، بل وضعت ترامب نفسه في مأزق حقيقي أمام الجهات التي وعدها بتدخل عسكري أميركي مباشر وإنزال قوات من القواعد المحيطة بإيران، والتي يزيد عددها عن 27 قاعدة.
ويضيف أفقهي أنّ الأمور استقرت داخليًا مع بدء المحاكمات، وبتوجيه من سماحة السيد القائد الإمام الخامنئي بضرورة الفصل بين المغرّر بهم والقيادات الأساسية التي اعترفت بارتكاب جرائم القتل والحرق. وعلى المستوى الإقليمي، يسود قلق شديد لدى الدول التي تستضيف قواعد أميركية، خشية رد إيراني محتمل، خصوصًا بعد تجربة قصف قاعدة "العديد" في قطر.
أما عن ردّة فعل إيران في حال نفّذ ترامب تهديداته، فيربط أفقهي ذلك بطبيعة الضربة الأميركية: حجمها، نوعها، مكانها، ودقتها، وما إذا كانت ستستهدف مواقع عسكرية فقط أو بنى تحتية حيوية كقطاعي النفط والغاز والمياه والكهرباء. ولا يستبعد أفقهي سيناريو الضربات الاستباقية أو عمليات غير معلنة، مثل استهداف سفن أميركية، لاختبار رد الفعل الأميركي، مؤكدًا أنّ ما يردع واشنطن فعليًا هو احتمال سقوط قتلى أميركيين، وليس فقط ضرب قواعد مُفرغة.
وفي ظل هذا المشهد، يشير أفقهي إلى أنّ "التخويف" العسكري حاضر عبر حشد حاملات الطائرات والطائرات المتطورة في القواعد الإقليمية، لكن دول المنطقة لا تتحمّل كلفة حرب شاملة. ويستشهد بتصريح وزير الدفاع الإيراني عزيز نصيرزاده، الذي أكد أنّ أي اعتداء ينطلق من دول الجوار سيقابَل برد مباشر، ما دفع دولًا كالسعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان إلى التحرك دبلوماسيًا خوفًا من تمدد النيران إلى كامل الإقليم.
ويضيف أفقهي أنّ ملف الطاقة يشكّل عامل ضغط إضافيًا، إذ إن مجرّد ارتفاع احتمالات الضربة أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، فكيف إذا أُغلق مضيق هرمز أو باب المندب. ورغم هذا التصعيد، يرى أفقهي أنّ هناك مسارًا دبلوماسيًا موازيًا، حيث يحاول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف فتح قنوات تفاوض، وأن كلّ هذا التحشيد قد يكون هدفه دفع إيران إلى طاولة المفاوضات للقبول بالمطالب الأميركية، وفي مقدّمها وقف التخصيب، تقليص مدى الصواريخ، ملف المسيّرات، الدور الإقليمي، وإخراج اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%.
وعن الجهود الخليجية، يشكك أفقهي بقدرتها على التأثير في قرار واشنطن إذا قررت الهجوم، واصفًا ترامب بـ"المتهوّر" الذي يواجه فشلًا في ملفات عدة، من أوكرانيا إلى غزّة وغرينلاند والحرب الاقتصادية مع الصين وأوروبا. في المقابل، يلفت إلى القلق "الإسرائيلي" الواضح، والذي تجلّى باتّصال "إسرائيلي" بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في رسالة تفيد بعدم الرغبة بحرب مباشرة مع إيران، خاصة بعد الدمار الذي أصاب الداخل "الإسرائيلي" خلال عمليات "الوعد الصادق"، ومع امتلاك إيران قدرات عسكرية مضاعفة.
داخليًا، يؤكد أفقهي أنّ الوضع في إيران بات تحت السيطرة الكاملة، مع تفكيك الخلايا النائمة، وعمل حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والفريق الاقتصادي على معالجة الأزمات المعيشية وضبط الأسعار، إلى جانب التأثير النفسي الكبير لبث اعترافات قادة المجموعات الإرهابية في الإعلام، وما كشفت عنه من حجم المؤامرة التي استهدفت وحدة إيران لا نظامها فقط. كما كان للتظاهرات المليونية المؤيدة للنظام دور أساسي في تعزيز الصمود الداخلي، وفي زيادة تردّد ترامب نفسه، في ظل انقسام داخل فريقه بين معارضين ومؤيدين للحرب.
وفي ضوء كلّ ما سبق، يبقى السؤال المفتوح، كما يطرحه أفقهي: هل ستجرؤ الولايات المتحدة فعلًا على مهاجمة إيران، أم أنّ ترامب سيبقى أسير التهديد، مدركًا أنّ التنفيذ قد يطلق مواجهة لا يمكن احتواؤها؟