اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

يوم الجريح المقاوم
المقال التالي قوات الاحتلال تعدم مزارعًا فلسطينيًا جنوب نابلس وتحتجز جثمانه

عربي ودولي

تحالفات واشنطن المؤقتة: تاريخ من التخلّي
عربي ودولي

تحالفات واشنطن المؤقتة: تاريخ من التخلّي

الرعاية الأميركية بين عامي 1975 و2026: الشرق الأوسط يختبر كلفة الرهان على واشنطن
68

في شتاء عام 2026، تحوّلت شوارع الرقة المتجمّدة إلى مسرح لدرسٍ أخير وقاسٍ في جغرافيا الولاء الأميركي. فبحسب وكالة "رويترز"، بدأت "قوات سورية الديمقراطية" ذات الغالبية الكردية عملية موجعة لتفكيك إدارتها الذاتية، وتسليم مؤسساتها إلى الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. يكرّس الاتفاق على الاندماج الذي جرى التوصل إليه في ظل انحسار الحضور الأميركي، حقيقةً ظلّ القادة المحليون يخشونها طوال عقد كامل: حين توقّف المقاتل الكردي عن أداء دور الدرع لمصالح الغرب، تحوّل إلى ورقة قابلة للتلف.

لم يكن هذا المآل مفاجئًا لمراقبي رقعة الشطرنج الدامية في المنطقة. فبعد الانسحاب الأميركي عام 2019، توقّع الأمين العام لحزب الله، سماحة السيد حسن نصر الله قدّس سرّه، هذا المسار بدقّة لافتة، وبلهجة مباشرة تجاوز صداها بيئته السياسية. ففي خطاب متلفز حذّر السيد نصر الله قائلًا: "هم [الأميركيون] في النهاية لن يفكّروا إلا بمصالحهم، وسيتركونكم وحدكم، وسيبيعونكم كما تُباع العبيد في السوق". وشدّد يومها على أن أيّ رهان على الولايات المتحدة محكوم بالفشل، معتبرًا أن واشنطن لا تنظر إلى شركائها إلا بوصفهم أدوات تُستخدم في حروبها الخاصة. وبالنسبة إلى الأكراد، لم يكن هذا التحذير نبوءة بقدر ما كان خلاصة قرنٍ كامل من النفاق الغربي.

عقيدة "الحليف القابل للتلف"
لطالما دارت العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في فلك ما يصفه الدبلوماسيون بـ"الملاءمة التكتيكية". ففي ذروة الحرب على تنظيم "داعش" الوهابي، أشاد البنتاغون بـ"قوات سورية الديمقراطية" واعتبرها "أكثر قوة برية فاعلية في العالم". إلا أنّ الولايات المتحدة، كما أشارت وكالة "أسوشيتد برس" خلال الانسحاب من أفغانستان عام 2021، تُظهر نمطًا متكررًا يتمثّل في ترك شركائها المحليين عند بوابة الرحيل ما إن تتبدّل أهداف المهمة. أما نحو 11 ألف كردي فقدوا حياتهم في القتال ضد "الخلافة"، فقد جرى التعامل مع تضحياتهم في نهاية المطاف بوصفها "كلفة محسومة"، عندما بدأت الإدارة الأميركية إعطاء الأولوية لعلاقاتها المعقّدة مع تركيا، الحليف في حلف شمال الأطلسي.

يمتدّ هذا النمط إلى عام 1975، حين شجّعت الولايات المتحدة و"إسرائيل" انتفاضة كردية في العراق، قبل أن تسحبا دعمهما عقب توصّل شاه إيران إلى اتفاق حدودي مع بغداد. ويأتي اتفاق الاندماج لعام 2026 بوصفه أحدث تجلّيات هذه العقيدة. فبإجبار الأكراد على دمج بنيتهم العسكرية ضمن وزارة الدفاع السورية، تكون واشنطن قد تخلّت فعليًا عن المشروع الكردي، مفضّلة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي الأوسع على حساب التجربة الديمقراطية في روجافا.

سجلّ من الخيانات: صدَّام ونورييغا والهمونغ
تجربة الأكراد ليست سوى الحلقة الأحدث في تاريخ طويل من تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها. فواشنطن تمتلك سجلًا حافلًا في استزراع "وكلاء" ثم التخلّي عنهم ببرود محسوب، ما إن تفقد علاقاتهم الاستخبارية جدواها أو تنتفي الحاجة إليهم.

خلال ثمانينيات القرن الماضي، اعتُبر صدام حسين أحد الأصول الاستخبارية الأميركية الحيوية لمواجهة الثورة الإيرانية. وتوثّق شبكة "سي إن إن"، أن الدعم الأميركي شمل تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام ومعلومات استخبارية ميدانية، واستمر حتى غزا صدام الكويت وأصبح عبئًا سياسيًا. وعلى نحو مشابه، قضى مانويل نورييغا سنوات على رواتب وكالة الاستخبارات الأميركية، موفّرًا جسرًا لمعلومات المخابرات في أميركا الوسطى. وعندما أصبحت جرائمه الداخلية وتمرده على اتفاق قناة بنما عبئًا، تخلى عنه الأميركيون وغزوا بنما لاحقًا. وقبل ذلك بسنوات، في لاوس، خاض شعب الهونغ حربًا سرية نيابة عن وكالة الاستخبارات المركزية. وعندما انسحبت الولايات المتحدة عام 1975، تظهر التقارير التاريخية أنهم تُركوا لمواجهة الانتقام الشيوعي – خيانة تتردد أصداؤها اليوم في المواقع المهجورة في شمال سورية.

ثمن المصافحة
تكمن مأساة الأكراد السوريين في عام 2026 في أنهم أُوهِموا بأنهم يبنون "شرق أوسط جديد" تحت حماية الولايات المتحدة. لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين في دوامة من تحولات القوى المتغيرة، مألوفة لدى الحلفاء السابقين. فالإدارة السورية الجديدة، رغم اختلافها عن عهد الأسد، تتسامح قليلاً مع أي شكل من الاستقلالية الكردية – وهو تساهل تقبله واشنطن لتسهيل مسار التطبيع مع "إسرائيل".

مع انتهاء مهمة آخر المستشارين الأميركيين في شمال شرق سورية، تظل كلمات الأمين العام الراحل لحزب الله بمنزلة شاهد قاتم على طموحات الأكراد. فأن تكون صديقًا لأميركا تاريخيًا محفوف بالمخاطر. سواء من أجل النفط، أو أمن "إسرائيل"، أو لمواجهة إيران وروسيا، أثبتت الولايات المتحدة أن أهدافها الإستراتيجية ستظل دائمًا أولوية تتجاوز بقاء حلفائها الميدانيين.

الكلمات المفتاحية
مشاركة