خاص العهد
كاتب من العراق
عبّرت مختلف القوى والشخصيات والفاعليات السياسية والإعلامية والثقافية العراقية عن رفضها واستهجانها للتدخّلات الأميركية الفجّة في الشؤون العراقية الخاصة، واصفةً التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن ترشيح "الإطار التنسيقي" لزعيم "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، بـ"الحمقاء والمتهوّرة"، ودعت إلى بَلْوَرة موقف وطني موحد، يعكس قوة العراق وسيادته واستقلالية قراره الوطني.
ففي منشور على منصة التواصل الاجتماعي المملوكة له "تروث سوشال"، قال ترامب، إنّه "يسمع أنّ العراق العظيم قد يتخذ ما سمّاه "قرارًا سيئًا جدًا بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء"، زاعمًا أنّه "في المرة السابقة التي كان فيها المالكي في السلطة انحدر البلد إلى الفقر والفوضى الشاملة"، معتقدًا بأنّه "لا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى"، ومهدّدًا بأنّه "في حال انتخاب المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، فلن تقدم الولايات المتحدة الأميركية أيّ مساعدة للعراق بعد الآن".
أبو رغيف: توقيت حرج ونوايا خبيثة
يبدو واضحًا أنّ الرئيس الأميركي اختار توقيتًا معيّنًا ليطرح موقفه من أجل إحراج القوى الداعمة للمالكي، وبالتالي إرباك وخلط الأوراق، دون أنْ يكون موقفه بعيدًا عن أجواء التصعيد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتلويح بمهاجمتها.
يبيّن الكاتب والإعلامي جواد أبو رغيف، في حديث إلى موقع "العهد" الاخباري، أنّ "أبرز ما يميّز موقف الرئيس الأميركي حيال طرح السيد المالكي كمرشح لـ"الإطار التنسيقي"، الممثل للمكوّن الشيعي الأكبر، لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، هو اختيار الوقت الحرج الذي سيصب في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية، لأسباب من بينها: أنّه إذا أصرّت القوى الشيعية على التمسُّك بالمالكي، فستمنح ترامب مبرِّرًا لفرض عقوبات أو اتخاذ خطوات سلبية ذات طابع اقتصادي أو أمني تجاه العراق".
ويرى أبو رغيف أنّه "من الخطأ الفادح الإذعان لإملاءات ترامب والاستسلام له؛ لأن ذلك يمثّل، فيما لو حصل، إخلالًا بالسيادة وطعنًا باستقلال البلد، وبالتالي سيفتح الباب واسعًا ويشجّع ترامب على التمادي في التدخّل وفرض ما يريده".
الصالح: لمواقف حازمة ضد ترامب
ويحذو الباحث في الشؤون الإستراتيجية فهد الصالح، حذو أبو رغيف بالتشديد على "ضرورة اتخاذ موقف حازم وقوي ومتماسك إزاء هذا التدخّل السافر في الشؤون الداخلية للعراق".
ويدعو الصالح، في حديث إلى "العهد"، زعماء "الإطار التنسيقي" وقادته، والشخصيات السياسية، وأعضاء مجلس النواب، ووسائل الإعلام التابعة لقوى الإطار، إلى "وضع وتنفيذ خطة سياسية وإعلامية منسّقة تُركّز على النقاط التالية:
1 - إصدار بيان إدانة واضح وصريح ضد الولايات المتحدة من قبَل الإطار، واعتبار ذلك تدخّلًا سافرًا في شؤون العراق الداخلية، وانتهاكًا سافرًا لسيادته واستقلاله، ومصادرة لحقوق الشعب العراقي، صاحب القرار الأول في اختيار من يمثّله في مجلس النواب، ومن يمثّله في الرئاسات الثلاث، وفي مقدّمتها رئاسة مجلس الوزراء.
2 - تضمين البيان فقرة تؤكّد أنّ الإدارة الأميركية من خلال تصريحات ترامب، تضرب عرض الجدار القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكّد على مبدأ سيادة الدول واستقلالها، ورفض التدخّلات الخارجية في شؤونها، وتقوّض بشكل واضح النظام الدولي المَبْني على قواعد الاستقلال، وحرية الدول والشعوب في اختيار حكامها ونظامها السياسي دون تدخّلات خارجية.
3- اتخاذ وزارة الخارجية العراقية وبعثة العراق في الأمم المتحدة الخطوات اللازمة والقيام بالاتصالات الدبلوماسية مع أعضاء مجلس الأمن الدولي، وتقديم شكوى رسمية ضد التدخّل الاميركي في شؤون العراق الداخلية".
إلى جانب ذلك، يدعو الصالح إلى "حملة إعلامية منظمة من قِبَل جميع القنوات الفضائية العراقية ووسائل التواصل الاجتماعي، تفضح ممارسات الرئيس الأميركي وسياساته المتهوّرة وتدخّلاته السافرة في شؤون الدول الأخرى، والتركيز على فشله في كل الملفات المهمة، ومنها الملف الاقتصادي، حيث تؤكّد التقارير أنّ نسبة البطالة والتضخّم في الولايات المتحدة قد ارتفعت خلال العام الأول من رئاسته (ترامب)، ناهيك عن أنّ الولايات المتحدة تعيش ظروفًا صعبة، وما يقوم به من إجراءات تعسّفية في مجال الهجرة قد يؤدّي إلى نشوب حرب أهلية، وقد تزايدت الضغوط عليه حتى من قِبَل حزبه "الجمهوري" لتخفيف تلك الإجراءات بعد خروج الملايين في معظم المدن الأميركية ضدّه، رافعين شعارًا واحدًا هو "لا ملوك في أميركا"، في إشارة واضحة إلى المسار الديكتاتوري الذي يقود به الولايات المتحدة إلى المجهول".
الزيدي: لا يمكن الوثوق بأميركا
بالرغم من إصدار وزارة الخارجية الأميركية بيانًا حاولت فيه التخفيف من صلافة تصريحات ترامب، فإنّ ردود الأفعال العراقية الغاضبة تواصلت بوتيرة متصاعدة، "وهذا أمر طبيعي ومطلوب"، وفقًا للأكاديمي المتخصص في السياسات الأميركية، الدكتور أحمد ظافر الزيدي الذي يعلّل قوله بأنّ "ترامب لا يحترم الضعفاء، بل يحترم الأقوياء، أو بتعبير أدق: "يحسب لهم الحساب".
ويؤكّد الدكتور الزيدي، لـ"العهد"، "وجوب الالتفات والتَنبُّه إلى حقيقة أنّ ترامب لا يعيش مرحلة القوة الفعلية، بل أنّه يعاني من جنون العظمة والغرور والاستعلاء، والمشاكل الداخلية التي يواجهها يمكن أن تطيح به، خصوصًا في حال خسر "الحزب الجمهوري" انتخابات التجديد النصفي المقرَّر إجراؤها خلال العام الحالي".
وعن بيان الخارجية الأميركية، يرى الزيدي أنّه "قد يكون مؤشرًا على التراجع"، موضحًا أنّ "هذا متوقَّع جدًا، وقد عُرِف عن ترامب تَغيُّر مواقفه بشكل كبير".
وكانت الخارجية الأميركية قد قالت إنّ "موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء لا يحمل أيّ تهديد"، زاعمةً أنّ "الولايات المتحدة تحترم السيادة العراقية احترامًا كاملًا، ولا تسعى إلى فرض قرارات أو أسماء على العملية السياسية العراقية"، ومدّعيةً أنّ "تصريحات الرئيس ترامب حول العراق جاءت من موقع المسؤولية السياسية، وليس في إطار التدخُّل في الشؤون الداخلية للعراق أو المساس بسيادته".