نقاط على الحروف
يناقش هذا المقال كيفية عمل بعض وسائل الإعلام على إبراز وجوه معادية للمقاومة والترويج لها، وكيفية مواجهة الإعلام المقاوم لهذه الهجمات. فيرصد "العهد" الإلكتروني آراء الخبيرين الإعلاميين منى سكرية وجعفر الأحمر اللذين يمتلكان تجارب مهنية رصينة في الإعلام العربي والمحلي، لتحليل هذه الظاهرة.
معايير الإطلالة الإعلاميّة
تؤكد منى سكرية أنه لا توجد معايير محددة لـ "الإطلالة" الإعلامية، فالإعلامي هو من يحدد مقوماتها، ويبقى العنوان الأبرز هو الكفاءة والتمكّن والقدرة على إثبات الحضور. وترى أن الإعلامي ليس عارض أزياء أو مجرد متلقٍ لما يُملى عليه، بل هو من يمتلك المقومات الجوهرية. وتضيف أن التطورات التكنولوجية التي هي من اختراع العقل الرأسمالي، أخضعت المادة الإعلامية لمنطق السوق، مما أدى إلى تحويل برامج الترفيه إلى محتوى مبتذل وسطحي يهدف إلى إثارة الغرائز وإضعاف القيم الأخلاقية، خاصّة في مجتمعاتنا المحافظة.
من جهته، يرى جعفر الأحمر أن الإطلالة الإعلاميّة الناجحة تقوم على معايير أساسية تشمل الكفاءة المعرفية، تقديم معلومات دقيقة، وضوح الخطاب، واحترام ذكاء الجمهور. كما يُعدُّ الحضور الشخصي، بما في ذلك لغة الجسد ونبرة الصوت، عاملاً مهماً، إضافة إلى الموضوعية والابتعاد عن الخطاب التحريضي. ويشدد على أن احترام قواعد الحوار والتفاعل بمرونة مع الأسئلة من الركائز المهنية الأساسية.
خبير.. لا خبير!
توضح منى سكرية أن ما ينطبق على الإعلامي ينطبق على الخبير، فالخبير الحقيقي هو من يقدّم معرفة جديدة وعلمًا. وتضيف أن الخبير يجب ألا يكون مجرد باحث متخصص، بل يجب أن يمتلك رؤية شاملة للماضي والحاضر والمستقبل، وأن يكون بحرًا من الثقافة والمعرفة في مختلف المجالات كالاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس. وتؤكد أن من يتحدث في مجال لا يلّم به، كالقانون الدولي، ويصف نفسه بالخبير، فإنه يمتلك من الحماقة ما يجعله يصدّق نفسه.
بينما يعتبر جعفر الأحمر أن تقييم الخبير مسؤولية مشتركة بين المؤسسة الإعلامية والجمهور. ففريق الإعداد في المؤسسات الإعلامية يجب أن يتحقق من السيرة المهنية للضيف ومؤهلاته. وتؤدي الهيئات المهنية والجامعية دورًا في تحديد من يستحق لقب "خبير". ومع ذلك، يبقى الجمهور هو الحكم النهائي الذي يستطيع مع الوقت التمييز بين من يقدم معرفة حقيقية ومن يُكرر شعارات سياسية. فبينما يضع الإعلام المهني معايير واضحة، يخلط الإعلام الموّجه بين الرأي والخبرة لأهداف دعائيّة.
معايير الاستضافة
ترى سكرية أنه لم يعد هناك مجال للعتب على معايير اختيار الضيوف في ظلّ "ثورة هذر الكلام" التي رافقت الثورة الرقميّة. وتصف الواقع الحالي بالقول: "أصبحنا نبحث عن حبة القمح في أرض مليئة بالزوان"، في إشارة إلى ندرة المحتوى القيّم. فالمنصات الرقميّة حوّلت كلّ فرد إلى "مُتحدث"، مما خلق فراغًا في جودة المحتوى، ولجأت العديد من المنصات إلى استضافة "من هبّ ودبّ" لسد هذا الفراغ دون أيّ تدقيق.
يؤكد الأحمر أن الخبير يجب أن يمتلك معرفة عميقة في مجاله، سواء عبر البحث الأكاديمي أو الخبرة العمليّة الطويلة. فصفة "خبير" هي مسؤولية معرفية وأخلاقية. ويشير إلى وجود خبراء ميدانيين اكتسبوا معرفتهم من التجربة كالعسكريين والاقتصاديين والدبلوماسيين.
كيف تختار المحطات المُعلّق؟
تصف سكرية المحطات المنحازة بأنّها تمارس "الإعلام الارتزاقي"، حيث تخلّى الإعلاميون عن مهنتهم لصالح التعبير عن مواقف سياسيّة غير متوازنة. وتؤكد أن الهجوم الإعلامي على المقاومة وبيئتها هو شكل من أشكال الارتزاق الذي يتعامى عن رؤية الحقائق وتضحيات أهل المقاومة الذين دافعوا عن أرضهم بدمائهم وأرواحهم.
ويضيف الأحمر أنّ المشكلة تظهر عندما يُستبدل الخبير الحقيقي بمتحدثين يفتقرون للمعرفة المتخصصة ويعتمدون خطابًا سياسيًا دعائيًا. هؤلاء "الخبراء الإعلاميون" يُضللون الجمهور ويحولون المنابر إلى ساحات للسجال. ويشير إلى أن المايكروفون والكاميرا يمنحان الضيف شعورًا مضخمًا بالأهميّة، مما قد يدفعه للمبالغة بهدف الإثارة. لذا، يجب على الضيف أن يقدّم قيمة مُضافة مبنية على أسس علميّة أو خبرة موثوقة، لا مجرد آراء انفعاليّة.
ضيوف التهويل
تُخالف منى سكرية الرأي القائل بأن الصحافة المكتوبة أكثر انضباطًا، مؤكدة أن الانقسام والاستقطاب الحاد موجود في كل المؤسسات الإعلاميّة، سواء كانت مكتوبة أو مرئية أو مسموعة. وترى أن الصحافة المكتوبة قد تكون "سمًّا في العسل"، وأنها ليست أكثر انضباطًا.
في المقابل، يرى جعفر الأحمر أن اختيار الضيوف يخضع لاعتبارات مهنيّة وسياسيّة وتجاريّة. فبينما تبحث المؤسسات الجادة عن قيمة معرفيّة، تختار المؤسسات المُسيسة الضيوف بناءً على انسجامهم مع خطها الإعلامي أو قدرتهم على خلق جدل يرفع نسب المشاهدة. ويُضيف أن ظاهرة استضافة ضيوف غير مختصين يتبنّون خطابًا عدائيًا تجاه المقاومة قد تفاقمت، وهي تعكس خللًا بنيويًا في بعض المنصات التي تعتمد على "التهويل" لخدمة أجندات سياسيّة. هؤلاء الضيوف يكررون سرديات جاهزة هدفها إضعاف الثقة بالمقاومة. ويُلقي باللوم على المؤسسات التي تمنحهم الشرعيّة، مؤكدًا أن الحلّ يبدأ من داخل هذه المؤسسات بوضع معايير واضحة والعودة إلى الخبراء الحقيقيين.
الكتابة الصحفيّة أكثر انضباطًا؟
تُشدد سكريّة على أن قائمة الاعتراض على هذا "التسيّب" الإعلامي تطول، مشيرة إلى غياب دور "المجلس الوطني للإعلام" ونقابتَي الصحافة والمُحررين اللتين اقتصر دورهما على بيانات النعيّ والتمنيات بالشفاء. وتشدد على أن ما يحدث في الإعلام ليس "حرية"، بل هو تجاوز لمفهومها ودخول في باب "الارتزاق" من أوسع أبوابه في ظلّ الثورة الرقميّة.
بينما يكشف الأحمر أن الكتابة الصحفية تخضع لرقابة ذاتيّة ومؤسسيّة أكبر، فالنص المكتوب يتطلب وقتًا للتحرير والمراجعة والتدقيق، ويبقى وثيقة يمكن الرجوع إليها، مما يجعل الصحفي أكثر حذرًا. كما أن هيكليات التحرير الصارمة في المؤسسات التقليدية، والجمهور القارئ الأكثر تطلبًا، والمساءلة القانونيّة الأكبر، كلها عوامل تفرض معايير مهنية أعلى على الصحافة المكتوبة مقارنة بالإعلام المرئي والمسموع الذي يُعاني من ضغط السرعة والرغبة في الإثارة.
عروض ترويجيّة للتطبيع والتحديات الراهنة
تكشف سكرية أننا نعيش حقبة مختلفة، خاصة منذ تشرين الثاني/نوفمبر2024، حيث توجد ضغوط عربية وإسرائيلية وصمت عربي يُبارك إقامة علاقات مع العدو. هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على المشهد الإعلامي الذي بات يتسم بـ "الوقاحة التي لا تعرف الخجل". وتختم بأن وسائل الإعلام تحوّلت إلى متاريس تدافع عن أهل السياسة بدل أن تكون سلطة رابعة، وهي لم تكن كذلك أصلاً.
انحراف الدور الإعلاميّ
يختم الأحمر بأن ضبط الفوضى الإعلاميّة يتطلّب منظومة متكاملة من التشريعات والرقابة المهنية والتربية الإعلاميّة والحس الوطني. ففي ظلّ الانقسام، يصبح إعلام التطبيع قادرًا على التمدد. ويرى أن الحلّ يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات المهنيّة، تعزيز دور النقابات، وتطوير سياسات وطنية تحميّ الفضاء الإعلامي. ويبقى العامل الأهم هو تعزيز الإعلام المقاوم والمهني القادر على تقديم رواية موثوقة. ويُقر بأنّه سيبقى هناك إعلام منفلت ما دام يفضل الاصطفاف السياسي على الحقيقة، لكن هذا لا يلغي قدرة الإعلام الجاد على استعادة دوره.