اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدوان على غزّة.. شهيدان في قصف على المغازي وغارات على رفح 

نقاط على الحروف

لبنان أسير الرهاب الأميركي والاستباحة الصهيونية.. والسيادة حبر على ورق
نقاط على الحروف

لبنان أسير الرهاب الأميركي والاستباحة الصهيونية.. والسيادة حبر على ورق

69

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

يتجاوز الحديث في تقييم الوضع المأزوم على الساحة اللبنانية حالة الانقسام السياسي الحاد ليصل إلى فرز المواقف بين اتّجاهين، الأول: يتمسّك بخيار المقاومة والمواجهة سبيلًا أوحد لتحرير لبنان من الهيمنة الأميركية والاحتلال "الإسرائيلي"، والثاني: يؤمن بخيار الاستسلام والخضوع وتسليم مقاليد إدارة البلاد للخارج والقبول بدور سياسي محدّد أو بموقع إداري على غرار نظام الانتداب أو حكم المتصرّفية.

وقد وصل مستوى هذا الفرز إلى تمثّله في اصطفاف تعدّى مجال الخصومة ليأخذ شكل العداوة ومحاباة العدوّ الصهيوني وتبنّي مواقفه وشعاراته إلى حد المطالبة باستهداف شريحة كبيرة من الشعب اللبناني وحصارها وتهجيرها وإبادتها عن بكرة أبيها، وهو ما يعكس خطابًا طائفيًا وعنصريًا يعود بلبنان إلى المرحلة التي سادت قبل الحرب الأهلية وخلالها، أما الحكومة ومؤسساتها الرسمية والقانونية فهي إما غائبة عن المحاسبة ووضع حد للإيغال في هذا الخطاب أو متجاهلة عن قصد وعمد، وهذا بحد ذاته يعدّ منحًى خطيرًا ينذر بانقلاب الدولة على نفسها.

تبقى المقاومة في أبعادها الوطنية والوجدانية خارجة عن هذه الاصطفافات في أهدافها وتطلّعاتها إلى بناء وطن بعيد عن الارتهان والتبعية، فهي التي استعادت مجد لبنان وسيادته بقهر الاحتلال وإجباره على الانسحاب الذليل دون قيد أو شرط عام 2000، وأجهضت مشروع الشرق الأوسط الجديد بانتصارها على التحالف "الإسرائيلي"  - الدولي عام 2006، وكرّست معادلة "جيش وشعب ومقاومة" كنهج يختصر إستراتيجية دفاعية شاملة تتجسّد فيها وحدة وطنية يجتمع حولها اللبنانيون على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم الدينية والسياسية، وما تزال على عقيدتها وإيمانها بأن لبنان الدولة والكيان لا يمكن له الصمود والاستمرار وتحصين سيادته وقراره إلا باعتماد خيار المواجهة الذي أثبت نجاعته على مدى أكثر من أربعين عامًا، وهي ماضية في هذا الخيار على الرغم من التضحيات الكبيرة التي تكبّدتها خلال حرب أيلول عام 2024.

في المقابل تمظهر أصحاب الاتّجاه الآخر في مجموعات منظّمة تولّت شنّ حملات سياسية وإعلامية محمومة وعالية النبرة وبنسق ممنهج وبتعليمات مدروسة، واللافت فيها ارتفاع مستوى الخطاب المباشر الذي لم يترك وسيلة ناعمة أو خشنة إلا واستخدمها سعيًا لشيطنة المقاومة وبيئتها وطائفتها ومحاولة حشرها في حسابات ضيقة لا ترقى إلى موازين الوطنية في شيء، وينقسم هؤلاء إلى فريقين، أحدهم لا يخجل من موالاته وتبعيته للولايات المتحدة و"إسرائيل" مشرّعًا أبواقه الحزبية والوزارية والنيابية للتهجم على المقاومة وبيئتها، فيما الآخر يعلن عن هذا الولاء بطريقة مقنّعة من خلال تحميلها المسؤولية عمّا يرتكبه العدوّ من اعتداءات وحشية يومية بحق لبنان، ولا يتورّع هؤلاء عن تبرئة "إسرائيل" من جرائمها وممارساتها الإرهابية بذريعة أن المقاومة هي التي بدأت بالحرب واستدرجت العدوّ لشن عدوانه، ويغفلون عن عمد مواقف مسؤولي العدوّ التي تجاهر بمطامعها في قضم لبنان كلّه تحقيقًا للحلم الصهيوني التاريخي بتنفيذ مشروع "إسرائيل" الكبرى.

انكشفت الأوراق كلّها، وانقسم البلد إلى ضفتين لا ثالث لهما، فإما أن تكون مع المقاومة ومع الاستقلال الحقيقي للبلاد وإما أن تكون مع أميركا و"إسرائيل" ومع الاستسلام الكامل للبلاد، أما البدعة الجديدة - القديمة فهي تعمّد إقحام أسماء ووجوه وتيارات شيعية في حمأة التهجّم على المقاومة في محاولة يائسة ومكشوفة لإظهار أصوات معارضة من قلب الطائفة ممّن يتبنّون مواقف التيار الانعزالي، وهم يعلمون بأن هؤلاء لا يمثّلون سوى شرذمة لفظتها بيئة المقاومة منذ زمن ولا مكان لها أو أثر في هذه البيئة الوفيّة، ودفع بهم اليأس إلى السعي لإرباك التحالف الوثيق بين حزب الله وحركة أمل ويراهنون على محاولة عزل الرئيس نبيه بري عن قيادة هذه البيئة وتصنيفه في موقع وسطي، وهذا الرهان ليس في مكانه على الإطلاق، فالرئيس بري اليوم هو الأب السياسي للطائفة الشيعية والحامي الأول لبيئة المقاومة والمدافع القوي عن الجنوب وأهله، ولا حاجة لاستحضار مواقفه الراسخة في هذا السياق.

ولعلّ أعمق تجليّات الأزمة اللبنانية تتمثّل في أداء بعض مؤسسات الدولة اللبنانية الذي يثبت يومًا بعد يوم أنها في عالم موازٍ للواقع وغير آبهة للتداعيات التي يتركها هذا الأداء على الشأن الداخلي، فالهاجس الوحيد لدى البعض تطبيق بنود الورقة الأميركية التي سبق أن بلّغها الكاوبوي الأميركي الوقح توم براك للحكومة، فلم يكد الجيش اللبناني يعلن انتهاء مهامه المولج بها في جنوب الليطاني وفق ما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار حتّى انطلقت المواقف الداعية لاستكمال نزع سلاح المقاومة شمالي الليطاني معتبرة أن "المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح شكّلت حدثًا تاريخيًا"، مع العلم بأنه لولا التعاون الوثيق والتنسيق العالي بين قيادتي المقاومة والجيش لما كان لهذا "الحدث التاريخي" أن يحصل، وهو ما يعكس حرص القيادتين على الأمن والاستقرار.

وفي هذا السياق علّقت أوساط مراقبة على اللهجة المتوتّرة التي بدأت تطغى على تعابير بعض هذه المواقف من قبيل "السيطرة" على الحدود الشرقية والشمالية، و"القانون سيطبق على الكل" و "لا تراجع في عملية حصر السلاح" فضلًا عن تكرار معزوفة "بسط سلطة الدولة واستعادة قرار الحرب والسلم"، ورأت أن هذه التعابير توحي وكأنه لم يكن هناك أمن وقانون وسيطرة للدولة في الحقبات السابقة، وأنها كانت غائبة عن الجنوب طوال العهود الرئاسية والحكومية السابقة، وهذا منافٍ للحقيقة والتاريخ وتؤكده الوقائع السياسية والميدانية منذ العام 2000 وخصوصًا بعد انتصار العام 2006، حيث كانت الدولة بأجهزتها الرسمية العسكرية والأمنية منتشرة على كامل الحدود الجنوبية والشرقية والشمالية وفي كلّ المناطق اللبنانية وخاضت مع المقاومة جنبًا إلى جنب معركة تحرير الجرود في العام 2017، وسجّل جنود الجيش اللبناني وقفات مشرّفة في مواجهة اختراقات العدوّ عند الحدود في أكثر من منطقة.

وتضيف الأوساط أن التنكّر لهذه الحقيقة لا يقدّم صورة إيجابية للحكومة وبعض وزرائها بقدر ما يضعها في موقع مساءلة خصوصًا وأنها لا تكلف نفسها عناء التعليق على جرائم الاحتلال إلا بعدما تنهال الانتقادات والمطالبات، وكأن سقف الواجبات الحكومية بات إصدار بيان استنكار فيما الواجب الذي يفرضه المنطق الوطني على الدولة كلّها أن تستنفر أجهزتها ومؤسساتها السياسية والأمنية العسكرية للردّ على العدوان وتطبيق ما جاء في خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري من تحرير الأرض المحتلة ووقف العدوان وتحرير الأسرى وإعادة إعمار ما هدمته الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" في الجنوب والبقاع والضاحية وفي كلّ المناطق اللبنانية المستهدفة.

لئن كان لبنان يشهد انقسامًا داخليًا إلا أن هناك أيضًا انفصامًا حادًّا في الرؤية والأداء إزاء المخاطر التي تتهدّد لبنان، ومعاناة بائنة من رهاب السيطرة الأميركية والخوف من التأنيب بسبب التقصير في تصعيد الهجوم على المقاومة وبيئتها، فهذه الحكومة لم تقل لنا حتّى اليوم كيف ستردع استمرار العدوان الصهيوني على لبنان وما هي نتائج المساعي الدبلوماسية التي يتمسّك بها في حل هذه الزمة!؟ ولم تقل لنا كيف ستعيد إعمار القرى المهدّمة وتؤمن عودة الجنوبيين إلى منازلهم!؟ ولم تقل لنا كيف ستؤمن الحماية للشعب اللبناني الذي يواجه الموت كلّ يوم بفعل الغارات الحربية والمسيّرة والتي لم توفّر الحجر والبشر وحتّى الآليات الزراعية والإنمائية!؟ ولم تقل لنا كيف ستحرّر الأسرى اللبنانيين القابعين في سجون العدو!؟ هل ستقوم بكلّ ذلك عبر نزع سلاح المقاومة وجعل لبنان ساحة مفتوحة أكثر للاستباحة الصهيونية والإمعان في العدوان، أم بإعلان استسلام الضعيف أمام القوي المستكبر!؟ وهل تستطيع بذلك استعادة قرار الحرب والسلام وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية!؟ 

إن "إسرائيل" - وفق ما تحدثت به مصادر صحافية - تريد أن تفرض إرادتها وتُخضِع لبنان، فهي منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار لم تقدّم شيئًا على الرغم من كلّ ما قدّمه لبنان، ولم تبدِ أي إشارة إلى استعدادها لتقديم أي شيء بل هي تطلب وتطلب ولا تريد أن تقدّم شيئًا بل عندما يُستجاب لطلبها تطلب أكثر، وعلى الرغم من عدم فعالية لجنة الميكانيزم وما عبّرت عنه هذه اللجنة منذ تشكيلها من انحياز كامل للعدو، فإنّ "إسرائيل" تريد تطيير اللجنة وفرض مسارات وأطر جديدة تمكّنها من فرض إرادتها على لبنان والالتزام بالقواعد السياسية وغير السياسية التي تحدّدها، ولنا في هذا الإطار العودة إلى ما قاله رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم من أنّ "إسرائيل تطرح أمورًا قاسية"، فكيف تريد هذه الحكومة من المقاومة وبيئتها أن تسلم سلاحها وترفع الراية البيضاء!؟

الحقيقة أن لا وجود لسيادة في لبنان بل خضوع وانبطاح أمام الإملاءات الخارجية، ولا حماية للشعب الصامد في وجه العدوان الصهيوني والصابر على تجاهل الدولة له بل تنكّر لأبسط حقوقه والتي هي أسمى من أي سيادة لفظية أو اسمية، وما حاجة الشعب إلى دولة لا تقوم بواجباتها في رعايته وتأمين عناصر صموده واستمراره وتوفير مقوّمات عيشه الكريم!؟ وإذا كان ثمة من يراهن على توهين هذا الشعب أو ثنيه عن ثوابته في احتضان المقاومة ودعمها وتحصينها في سبيل لبنان الوطن الجامع فإن رهانه سيخيب حتمًا، كما أن حملات التحريض المسعورة وبروباغندا الفتنة التي تسوّقها أبواق السفارات والغرف السوداء سوف ترتدّ على مطلقيها عاجلًا أم آجلًا، ومن يوقد نار الفتنة سيحترق بها ومن يتدفأ بغير جلده لن يواجه سوى الصقيع.

الكلمات المفتاحية
مشاركة