اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الرئيس الإيراني: لم نسعَ يومًا الى الحرب بل إلى الوحدة والانسجام وخدمة الشعوب

خاص العهد

كيف بنت إيران الثورة برنامجها العلمي خارج منظومة الهيمنة
خاص العهد

كيف بنت إيران الثورة برنامجها العلمي خارج منظومة الهيمنة

97

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني(رض)عام 1979، لم تقتصر المواجهة مع الغرب على الملفات السياسية أو الأمنية، بل امتدت إلى أحد أكثر الميادين حساسية في النظام الدولي الحديث: ميدان إنتاج المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة.

فالعقوبات الجائرة، التي صُممت أساسًا لمنع إيران من الوصول إلى مصادر القوة، تحوّلت تدريجيًا إلى فرصة لدفع البلاد إلى الاستقلال المعرفي.

وبعد أكثر من أربعة عقود، اليوم نرى تجربة إيرانية خاصة في بناء العلم تحت الحصار، وحول قدرة الدول الواقعة خارج المنظومة الغربية على امتلاك أدوات العلم والتقدم.

إعادة بناء الدولة العلمية بعد الثورة
قبل الثورة، كانت إيران جزءًا من منظومة استهلاك التكنولوجيا الغربية، دون امتلاك قدرة حقيقية على تطويرها أو التحكم بمساراتها. 

التعليم العالي كان محدود الانتشار، والبحث العلمي مفصولاً عن حاجات الاقتصاد والمجتمع.

التحول بدأ مع إدراك قيادة البلاد بعد انتصار الثورة أن الاستقلال السياسي دون قاعدة علمية وطنية سيبقى هشًا.

وفق بيانات وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيرانية، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في عدد الجامعات، والمراكز البحثية، ومعاهد التكنولوجيا، مع تركيز خاص على توزيع هذه المؤسسات جغرافياً لتشمل مختلف المحافظات والمدن.

هذا التوسع ترافق مع إعادة تعريف وظيفة الجامعة، من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى جزء من منظومة إنتاج وطنية، مرتبطة بالصناعة، والطاقة، والزراعة، والقطاعات الأخرى.

عندما يصبح العلم قرارًا سياديًا
في التجربة الإيرانية، لم يُترك التطور العلمي لقوانين السوق وحدها، بل أُدرج ضمن التخطيط الاستراتيجي للدولة، حيث تقارير رسمية تشير إلى أن السياسات العلمية وُجهت لخدمة أهداف خدمة الشعب والبلاد، في مقدمتها تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص الاعتماد على الخارج.

هذا التوجه جعل من البحث العلمي جزءًا من معادلة تطور البلاد، من هنا، يمكن فهم الإصرار الإيراني على حماية البنية العلمية.

البرنامج النووي السلمي: المعرفة في قلب الصراع الدولي
يُعد البرنامج النووي السلمي المثال الأوضح على تداخل العلم والسياسة في الحالة الإيرانية، فمن منظور طهران، لم يكن الخلاف مع الغرب تقنيًا بقدر ما كان صراعاً على الحق في امتلاك المعرفة المتقدمة.

وفق تقارير منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، تمكنت البلاد من تطوير دورة الوقود النووي السلمي، اعتمادًا على كوادر محلية، في وقت كانت فيه قنوات نقل التكنولوجيا مغلقة بالكامل، هذه القدرة لم تقتصر على التخصيب، بل شملت تطبيقات مدنية في مجالات الطب، والزراعة، والطاقة.

الرسالة الإيرانية في هذا السياق واضحة: منع الوصول إلى المعرفة لا يؤدي إلى وقف التقدم، بل إلى تسريعه بوسائل بديلة.

الطب والعلوم الحيوية: نتائج ملموسة للاستثمار العلمي
من بين القطاعات التي عكست بشكل مباشر أثر الاستثمار العلمي، يأتي القطاع الصحي، حيث تشير بيانات وزارة الصحة الإيرانية إلى تحقيق تقدم لافت في مجالات مثل زراعة الأعضاء، وعلاج العقم، وإنتاج الأدوية المتقدمة، خصوصًا البيوتكنولوجية منها.

خلال جائحة كورونا، واجهت إيران تحديًا مركبًا: أزمة صحية عالمية في ظل الحصار، ورغم ذلك، تمكنت المؤسسات العلمية من تطوير لقاحات محلية، وتوسيع القدرة الإنتاجية للأدوية، ما عزز من مفهوم "الأمن الصحي" بوصفه جزءًا من السيادة الوطنية.

البرنامج الفضائي: كسر احتكار الفضاء
ربما يُعد البرنامج الفضائي الإيراني أحد أكثر ملفات التقدم العلمي أهمية في السياق الدولي، حيث الفضاء، تاريخيًا، كان حكرًا على القوى الكبرى، ودخول أي دولة نامية هذا المجال يُنظر إليه باعتباره تجاوزاً للخطوط الحمراء غير المعلنة.

رغم ذلك، أعلنت إيران خلال السنوات الماضية عن إطلاق عدة أقمار صناعية محلية الصنع، وتطوير منصات إطلاق وحاملات الأقمار بقدرات وطنية،وتقارير وكالة الفضاء الإيرانية تشير إلى أن هذه الأقمار خُصصت لأغراض مدنية، مثل: الاتصالات، رصد الموارد الطبيعية، إدارة الكوارث البيئية، دعم التخطيط الزراعي و..

الأهمية الاستراتيجية للبرنامج الفضائي لا تكمن فقط في نتائجه التقنية، بل في رمزيته، فامتلاك تكنولوجيا الفضاء يعني امتلاك سلسلة معقدة من المعارف في مجالات الهندسة، والمواد، والبرمجيات، وأنظمة التحكم، وهي معارف تُصنف ضمن أعلى مستويات التكنولوجيا.

التكنولوجيا المتقدمة والاستثمار في رأس المال العلمي
إلى جانب الفضاء، سجلت إيران حضوراً متقدمًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، حيث في تكنولوجيا النانو، تحتل إيران مراتب عالمية متقدمة من حيث عدد الأبحاث العلمية المنشورة والإنجازات في هذا المجال، وفق إحصاءات داخلية وتقارير دولية.

كما تعمل المؤسسات البحثية على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوطنية في مجالات الطب، والصناعة، وإدارة البيانات، إضافة إلى دعم متزايد للشركات الناشئة والصناعات المعرفية، في إطار السعي لبناء اقتصاد أقل اعتمادًا على النفط.

الركيزة الأساسية لهذه المنظومة هي العنصر البشري، وتشير تقارير "مؤسسة النخبة الوطنية" إلى برامج لدعم الباحثين الشباب، وتوفير بيئة تشجع على الابتكار، رغم التحديات الاقتصادية.

العلم والسيادة في نظام دولي غير متكافئ
تطرح التجربة الإيرانية سؤالاً مركزيًا في العلاقات الدولية: هل يسمح النظام العالمي الحالي لدول خارج المركز الغربي بامتلاك أدوات العلم المتقدم؟.

من وجهة النظر الإيرانية، فإن بناء قاعدة علمية وطنية ليس خيارًا ترفيًا، بل ضرورة وجودية، فالعلم هنا يُنظر إليه كوسيلة كركيزة للاستقلال.

خاتمة
تقدم التجربة الإيرانية نموذجًا لدولة اختارت الاستثمار في المعرفة في مواجهة الاحتكار الغربي، ورغم كل التحديات، نجحت إيران في بناء منظومة علمية متعددة المستويات، تشمل الطاقة النووية، الطب، الفضاء، والتكنولوجيا المتقدم. و...بالنسبة للمتابع الدولي، لا تكمن أهمية هذه التجربة فقط في حجم الإنجازات، بل في الدرس الذي تقدمه: أن العلم، حتى في ظل الحصار، يمكن أن يصبح وسيلة للتطور والاستقلال والسيادة.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة