خاص العهد
تمرّ سبعة وأربعون عامًا على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، الثورة التي لم تكن مجرد تغيير في شكل الحكم، بل تحوّل تاريخي عميق رفع مكانة إيران، وموقعها، ودورها في الإقليم والعالم.
فمنذ الحادي عشر من شباط/فبراير 1979، دخلت إيران مسارًا جديدًا قوامه الاستقلال، ورفض التبعية، وبناء نموذج سيادي في السياسة، والاقتصاد، والعلم، والثقافة.
اليوم، وبعد ما يقارب نصف قرن، لم تعد الثورة حدثًا في الذاكرة، بل مشروعًا مستمرًا، واجه الحصار، والحروب، والعقوبات، والضغوط المتعددة، ونجح رغم ذلك في تثبيت أركان دولة مستقلة، وصناعة إنجازات عظيمة، وفتح أفقٍ واضح لمستقبل واعد.
ثورة على مبدأ الاستقلال
منذ لحظتها الأولى، قامت الثورة الإسلامية على مبدأ الاستقلال، حيث لخَّص الإمام الخميني (قدس سره) هذا التوجّه بوضوح حين قال: إنّ ما نريده هو الاستقلال، لا شرقيًا ولا غربيًا.
هذا الشعار لم يكن خطابًا سياسيًا عابرًا، بل تحوّل إلى قاعدة حاكمة للسياسات العامة، فإيران ما بعد الثورة خرجت من موقع الدولة التابعة، إلى دولة تقرر بنفسها، ولا تساوم على سيادتها وحقوق شعبها.
الصمود في وجه العواصف
على مدى 47 عامًا، واجهت الجمهورية الإسلامية تحديات ومنها: الحرب المفروضة استمرت ثماني سنوات، حصار اقتصادي ومالي طويل الأمد، محاولات فرض عزلة، تهديدات أمنية وعسكرية مستمرة، ورغم ذلك، لم تنكسر إيران شعبًا ودولة، ولم يتراجع المشروع، حيث قال الإمام الخميني في هذا السياق:نحن لا نخاف من الحصار، بل نخاف من التبعية.
وهو منطق تحوّل إلى ثقافة عامة في إدارة الأزمات.
بناء الدولة والمؤسسات
من أبرز إنجازات الثورة الإسلامية، بناء دولة قائمة على مؤسسات وطنية مستقلة، فبعد سقوط النظام الملكي البائد، جرى تأسيس:نظام جمهوري دستوري مبنيّ على سيادة الشعب الدينية، ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية ومنظومة أمنية وعسكرية وطنية، وإجراء 50 انتخابات استفتاء ورئاسية وبرلمانية ومجلس خبراء ومجالس بلدية حتّى اليوم، فضلًا عن الانتخابات النقابية وإدارة الأحياء ومجالس المدارس والجامعات و..
ورغم التحديات، حافظت الدولة على الاستقرار السياسي، واستمرت في إجراء الانتخابات، وتداول المسؤوليات ضمن الإطار الدستوري.
إيران..الاقتصاد المقاوم
في المجال الاقتصادي، ورثت الثورة من النظام البائد اقتصادًا تابعًا، يعتمد على النفط، ومربوطًا بالخارج، ومع تصاعد العقوبات، اضطرّت إيران إلى تطوير نموذج بديل، عُرف لاحقًا بـالاقتصاد المقاوم.
الإمام السيد علي الخامنئي (حفظه الله) شدّد مرارًا على أن "العقوبات يمكن أن تتحول إلى فرصة إذا اعتمدنا على قدراتنا الداخلية".
اليوم، تشير تقارير المؤسسات الرسمية كنموذج فقط إلى توسّع في: الإنتاج الصناعي، الاكتفاء الذاتي الزراعي في قطاعات أساسية، الشركات المعرفية والناشئة وبشكل عام الاكتفاء الذاتي في معظم المجالات الاقتصادية والصناعية والبنى التحتية.
ورغم الضغوط، لم يتوقف الاقتصاد، بل أعاد تنظيم نفسه وفق معادلة الصمود.
العلم والتكنولوجيا: كسر الاحتكار
من أهم ثمار الثورة، التحول العلمي، فإيران التي كانت مستهلكة للعلم قبل الثورة، أصبحت اليوم منتجة له. وفق بيانات وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا أن من أهم مجالات الإنجاز العلمي هو: توسّع التعليم العالي في جميع المحافظات والمدن، وتقدّم كبير في البحث العلمي، وحضور متقدم في مجالات الطب، النانو، الطاقة، والفضاء، والبرنامج النووي السلمي شكّل عنوانًا لهذا التحول، فالدفاع عنه لم يكن دفاعًا عن تقنية فقط، بل عن حق الأمة في المعرفة.
القدرة الدفاعية: حماية الاستقلال
في المجال العسكري والدفاعي، انتقلت إيران من الاعتماد الكامل على الخارج إلى الاكتفاء الذاتي، حيث الصناعات الدفاعية الوطنية اليوم تشمل:منظومات صاروخية، طائرات مسيّرة، تقنيات دفاع جوي، قدرات بحرية متطورة، قدرات جوية، قدرات حرب إلكترونية وتقنيات القوات البرية و..
هذه القدرات لم تُبنَ للعدوان، بل لحماية البلاد وردع التهديدات.
المجتمع والهوية
لم تكن الثورة مشروع دولة فقط، بل مشروع مجتمع، فقد أعادت الاعتبار للهوية الإسلامية-الوطنية، وربطت بين القيم الدينية والمشاركة الشعبية.
المرأة، الشباب، ومختلف فئات الشعب كانوا في قلب هذا التحول، وما زالوا يشكّلون العمود الفقري للاستمرار.
السياسة الخارجية ذات التأثير الكبير
رغم محاولات العزل، تحولت إيران إلى لاعب إقليمي ودولي فاعل، حيث سياستها الخارجية تدعم قضايا الأمة وترفض الهيمنة، في أولوياتها بناء علاقات مع دول الجوار والشرق، وتعزيز العلاقات مع مختلف الدول على أساس الاحترام المتبادل.
فلسطين والمقاومة: ثابت لا يتغير
منذ اليوم الأول، كانت فلسطين بوصلة الثورة، هذا الموقف لم يتغير رغم الضغوط، ودعم الشعب الفلسطيني والمقاومة، أصبحا جزءًا من هوية السياسة الإيرانية.
المستقبل: أفق مفتوح
بعد 47 عامًا، تقف إيران أمام مرحلة جديدة، وهي الخطوة الثانية من الثورة الإسلامية ورؤية المستقبل تقوم على أساس تعزيز الاقتصاد المعرفي، التطور العلمي، تمكين الشباب، تطوير العدالة الاجتماعية، ترسيخ الاستقلال السياسي و..
والإمام الخامنئي يلخّص هذا الأفق بقوله: "مستقبل إيران مشرق".
خاتمة
ليست الثورة الإسلامية حدثًا من الماضي، بل مسار متواصل، سبعة وأربعون عامًا من الصمود والإنجاز أثبتت أن الاستقلال ممكن، وأن بناء دولة تتكل على الشعب خارج منظومة الهيمنة ممكن.
من طهران إلى العالم، ومن السياسة إلى العلم، ومن الصمود إلى الأمل، تواصل الجمهورية الإسلامية مسيرتها، واثقة بأن المستقبل يُصنع بالإرادة..