عين على العدو
في مقالٍ مطوّل خصّصه للحديث عن صلب النقاش العام والأمني في "إسرائيل" أواخر عام 2025، قال اللواء احتياط في الجيش "الإسرائيلي" إسحاق بريك إن رؤيته "تُحذّر بصورة متواصلة من تهديد وجودي متعدد الجبهات لم ينحسر، بل تفاقم، مع نظرة مستقبلية واضحة".
وأضاف "يمكن تشبيه ذلك باتجاهات أسواق المال: حين يكون السهم في مسار هبوطي مستمر، قد يُظهر الرسم البياني قممًا إيجابية مؤقتة. المستثمر غير المتمرّس قد يخطئ ويظن أن المسار تغيّر، لكن القراءة الشاملة التي توازن بين الإخفاقات والإنجازات تكشف صورة تراجع عام. هذا، برأيي، هو المأزق الذي تعيشه اليوم قيادة الدولة والجيش"، مردفًا: "القيادة حلّلت وضعنا الأمني بأنه "رائع" عقب الضربات القاسية التي وُجّهت إلى إيران وحزب الله قبل نحو عام. صحيح أن ذلك شكّل "قمّة" إيجابية في الرسم البياني، لكن غياب الرؤية الاستراتيجية الواسعة يمنعهم من رؤية تراكم القمم السلبية. وعند جمع النقاط كلها، تتضح الخلاصة: الاتجاه العام هو تدهور متواصل في أمن "إسرائيل". في حين عرضت القيادة على الجمهور "صورة نصر" وتحدثت عن "شرق أوسط جديد"، أكدتُ آنذاك أن الضربة كانت قاسية، لكنها غير قاتلة. واليوم يتبيّن أن الاتجاه السلبي، الناجم عن تطورات اختار المستوى السياسي والعسكري تجاهلها، يتغلب في حدّته على الإنجازات العملياتية المؤقتة".
بؤر الاتجاه السلبي
بريك عرض مقارنة بين تصريحات المستوى السياسي والعسكري وبين وجهة نظره كما هي محفوظة في ذاكرة المنظومة:
المستوى السياسي والعسكري بعد الضربات التي وجهت لحزب الله وإيران وتغيير النظام في سورية. السردية الرئيسية: ""إسرائيل" غيّرت وجه الشرق الأوسط".
إضعاف حزب الله وإيران: يدّعي المستوى السياسي (رئيس الوزراء ووزير الحرب) والعسكري (رئيس الأركان) أن الضربات التي تلقاها حزب الله في 2024 "سهام الشمال" والهجمات المباشرة على إيران قلّصت القدرات الاستراتيجية التي بنيت على مدى عقود. وهم يركزون على تدمير منظومات الصواريخ، والقضاء على سلسلة القيادة، وردع إيران، على حد قوله.
التغيير في سورية (كانون الأول/ديسمبر 2024): سقوط نظام بشار الأسد عُرض من قبل المستوى السياسي كأخبار استراتيجية تقطع "محور الشر" البري وتعزل حزب الله، وفق تعبيره، الرسالة للجمهور: "إسرائيل" في نقطة قوة غير مسبوقة؛ تهديد الغزو المباشر من أعداء "إسرائيل" تم رفعه إلى حد كبير، و"إسرائيل" تتحكم في المعركة.
تصريحاتي (اللواء احتياط يتسحاق بريك)، كما أكدت طوال الوقت. السردية الرئيسية: "يوم الحساب على الأبواب، المستوى السياسي والعسكري منفصل تمامًا عن الواقع". المنظومة تقدم للجمهور صورة زائفة.
بريك يُشير الى أن ادعاءاته الرئيسية تأتي وفق الآتي:
* إعادة بناء سريعة برعاية إيرانية: أؤكد أنه بالرغم من الضربات، حزب الله يتعافى بسرعة مذهلة. كما أن حماس في قطاع غزة لم تُهزم وعادت إلى حجمها الطبيعي، وتسيطر بقوة على المدن الكبرى من الخط الأصفر وغربها. مؤخرًا قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "سنتعامل مع قطاع غزة بطريقتنا. من الأفضل أن يركز بنيامين نتنياهو على إيران ويتركنا نتعامل مع غزة. هو سيقوم بسياسته، ونحن سنواصل تنفيذ خطتنا للمرحلة الثانية في قطاع غزة". بتصريحاته هذه، أخرج ترامب بنيامين نتنياهو من اتخاذ القرارات بشأن قطاع غزة، وقرر أن تتواجد تركيا وقطر، عدوتا "إسرائيل" الكبيرتان، في المجلس الذي يتخذ القرار.
* التهديد التركي: أخطر بكثير من تهديد نظام الأسد وإيران معًا. الأتراك يرسّخون جيشهم داخل سورية بالدبابات والطائرات، وأبرموا مؤخرًا اتفاقيات أمنية مع باكستان التي تمتلك أسلحة نووية، ومع السعوديين الذين لديهم ثروات ضخمة، ومع المصريين، ويحرّضون على إبادة "إسرائيل".
* التهديد متعدد الجبهات "حلقة النار": على عكس المستوى العسكري الذي يركز على جبهة واحدة في كل مرة، أحذر من هجوم متزامن من لبنان، وسورية (بما في ذلك قوات أنصار الله التي تسللت إليها)، والأردن، وغزة والضفة الغربية، بالتزامن مع عشرات آلاف المسلحين المحليين (متطرفون من البدو والعرب) وعشرات آلاف العمال الأجانب من الضفة الغربية، مع إطلاق صواريخ وقذائف من إيران ولبنان.
* إهمال الجيش البري والجبهة الداخلية: أحذر من أن جيش البر صغير جدًا، ومخازن الطوارئ مهملة ومسلوبة ("بواسطة السلاح الموجود لدى البدو يمكن إنشاء فرقتين")، والجبهة الداخلية غير جاهزة لمئات الصواريخ الباليستية برؤوس متفجرة بوزن مئات الكيلوغرامات يوميًا.
* جبهة الأردن "الجبهة الشرقية": أشير إلى أن إيران تقيم "بنية إرهابية" على الحدود الأردنية لتكون "منصة انطلاق" للغزو، وهو موضوع يتجاهله المستوى السياسي.
* تسريع الصواريخ الباليستية: أكدت طوال الوقت أن إيران، ردًا على الضربات التي تلقتها، سرّعت إنتاج الصواريخ الباليستية ودقة إصابتها، ما يجعل التهديد وجوديًا أكثر من أي وقت مضى. بالرغم من الضربة التي تلقتها، تمكن الإيرانيون خلال ستة أشهر من إعادة نشر آلاف الصواريخ الموجهة نحونا ونحو قواعد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بمساعدة الصينيين. لا يجوز تجاهل الفجوات الاستراتيجية العميقة: إيران أكبر من "إسرائيل" بـ75 مرة. حتى لو ضربت "إسرائيل" أو الولايات المتحدة طهران ضربًا مدمرًا، سيستمر النظام الإيراني في الوجود، إلا إذا واصل الشعب الإيراني الاحتجاج ضد النظام بمساعدة الولايات المتحدة. بالمقابل، "إسرائيل" "سلة واحدة"، أي أن ضربة مدمرة في قلب "غوش دان" قد تتركنا بلا أمل.
في هذه الأيام، يركز ترامب قوات كبيرة في الشرق الأوسط، ويزعم بعضهم أن خطته الهجومية على إيران لم تُلغَ بعد. مع ذلك، من المهم أن نتذكر أن أي هجوم أمريكي، مهما بلغت قوته، قد يؤدي باحتمالية عالية إلى حرب إقليمية شاملة، كما يهدد الإيرانيون. ونظرًا لأن ترامب يسعى لتجنب هذا السيناريو بأي ثمن، من الصعب جدًا تقدير قراره النهائي.
ويُشير الى التصادم بين مواقفه والمستوى السياسي والعسكري، مردفًا "بينما يبث المستوى السياسي والعسكري أن الأمور تسير كالمعتاد ويدعون نصرًا استراتيجيًا غيّر الواقع، كنت أؤكد أنهم "يغمسون رؤوسهم في الرمال" ويكذبون على الجمهور. وفقًا لطريقتي، ما حدث في 7 تشرين الأول/أكتوبر ليس إلا تمهيدًا لـ "كارثة وجودية" ستصيب "إسرائيل" إذا لم يُنشأ فورًا حرس وطني، وأن يُعاد بناء جيش البر، وأن يتم إدخال وسائل قتالية جديدة مناسبة لحروب الحاضر والمستقبل، وتوقف الاعتماد الحصري على سلاح الجو والتكنولوجيا. بالإضافة لذلك، يجب تعزيز اتفاقيات "الدفاع" بين "إسرائيل" والولايات المتحدة ودول أخرى، وخلق توازن رعب أمام محور الشر.
وشدد على أن "حكومة "إسرائيل" الحالية هي الأخطر على "الشعب اليهودي" منذ ثورة "بار كوخبا"، والتي قُتل فيها مئات الآلاف من الثوار واليهود أثناء قمع الثورة، ودُمرت مئات المستوطنات، حتى أن إقليم "يهودا" خلا من سكانه. إلى جانب العدد الكبير للقتلى، وقع العديد من اليهود في الأسر وبيعوا كعبيد في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وطُرد آخرون من أرضهم.
وختم: "إذا استمرت حكومة "إسرائيل" في خطواتها غير العقلانية، قد نفقد "إسرائيل"، في نظام التوازنات والضوابط المعقد بين ترامب وبنيامين نتنياهو، يبدو أن مصير "إسرائيل" معلق على خيط. يبقى الأمل فقط أن يتخذ ترامب القرارات الصحيحة لصالحنا".