مقالات مختارة
ناصر قنديل - صحيفة البناء
يرمي السياسيون كلامهم ويردد المحللون قراءتهم وكلها تدور تحت شعارات كبرى مثل السيادة والاستقلال، ولكنها تقدم رؤى وتصورات في أغلبها يستدعي السير بها التخلي عن جزء هام من السيادة والتنازل عن جزء هام من الاستقلال، وكما يقال إن التنازل عن جزء من السيادة والاستقلال يعني خسارة القيمتين كلياً لأن السيادة والاستقلال قيم غير قابلة للتجزئة، فلا يوجد نصف سيادة ونصف استقلال، ومتى انتقصت السيادة وضعف الاستقلال فقدتهما الدول. وهنا لا نعني بالتأكيد الجزء الذي تخسره كلّ الدول من سيادتها واستقلالها من خلال الاندماج في العولمة وهي خسارة تبادلية وليست خسارة السيادة لصالح طرف بعينه ولا خسارة للاستقلال لصالح طرف واحد، خسارات العولمة من السيادة والاستقلال لصالح كينونة عالمية لا ينتقص من عالميتها هيمنة دولة مثل أميركا عليها، لأن انتقاص السيادة لصالح دولة احتلال وانتقاص استقلال لصالح دولة وصاية هو الذي نتحدث عنه.
الذي يلاحظه اللبنانيون ويستطيعون ملاحظته باستمرار هو أن أغلب الذين يتحدثون عن السيادة والاستقلال ويصوّرون سلاح المقاومة عقبة أمام مفهوم السيادة ويرون دور المقاومة تقييدًا لاستقلال قرار الدولة، يتهرّبون من تقديم خريطة طريق توصل لتحقيق السيادة من بوابة مفهومها الرئيسي وهو تحرير الأرض من الاحتلال ووقف الاعتداء على الشعب والأرض الذي يقوم به المحتل بصورة مستدامة، كما يتهرّبون من مقاربة مفهوم استقلال الدولة في رفض الوصاية الأجنبية على قرارها وإملاء القرارات عليها وفرض التبعية على سلطاتها، بل إن هؤلاء يبدون الاستعداد لتسويق وترويج صيغ يعرفون أنها لا تستقيم دون قبول التسليم بانتقاص السيادة لصالح الاحتلال، تحت شعار موازين القوى وأولوية الاستقرار، تحت شعار التفاوض خيار إستراتيجي، وهم يعلمون أن لا شيء يمكن للبنان التفاوض عليه طالما أنه يرفض المقاومة، سوى أرضه ومياهه وأجوائه، ليشتري وهم الأمن الذي يحتاجه الاقتصاد برأيهم، ويعيد هؤلاء صياغة التبعية ونظام الوصاية بتعابير جديدة مثل التأقلم مع المتغيرات الإقليمية والدولية، حتّى يصلون إلى المجاهرة بضرورة قبول الإملاءات بكلّ ذل لكن بصيغة منمقة، مثل تجنب العزلة، كما حدث مع قبول ورقة توماس برّاك بقرار من مجلس الوزراء.
الكذب والنفاق يسكنان في ثنايا الخطاب السياسي لأغلب الأطراف اللبنانية، وعلى سبيل المثال لا أحد من الداعين لإنهاء الصراع مع "إسرائيل" يجرؤ على الجواب عن سؤال وماذا عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ورفض التوطين، وهم يعلمون أن إنهاء الصراع مع "إسرائيل" واعتبار السلام هدفًا يستدعي الاستعداد لقبول التوطين، كما يعلمون أن ما يقولونه هم عن موازين القوى ليس إلا تمهيدًا للقول إن تنازلًا عن السيادة على الأرض والمياه والأجواء لا بدّ منه، ما يعني أن الحديث عن الـ 10452 كلم مربع مجرد كذبة، مثله مثل رفض التوطين، ويكفي الانتباه أن بعض هؤلاء لم يخف غضبه من موقف قائد الجيش خلال لقائه بـ السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، بدلًا من الاحتفال بالعنفوان السيادي، ولم يخجل هؤلاء من الترويج لأبشع أشكال الوصاية والخضوع لإملاءات الأصهب الأميركي، تحت شعار عدم المخاطرة بخسارة الدعم الأميركي، والخشية من العزلة، وهي مفردات مموّهة لإخفاء الدعوة إلى لعق الأحذية الأميركية.
لا أحد ينكر أن هناك حاجة لترتيب أوراق العلاقة بين الدولة والمقاومة، بطريقة تحفظ المقام الأول للدولة في ممارسة السيادة، ووجود سلاح مقاومة يربك هذه المعادلة، والحاجة لحرية حركة المقاومة يضعف أحادية قرار الدولة أي استقلالها، لكن النقاش حول كيفية ترتيب الأوراق يستدعي أن تكون مؤسسات الدولة القيادية متمسكة بمفهوم السيادة والاستقلال بوجه العدوان والاحتلال ومشاريع الوصاية، وإلا صارت تنازلات المقاومة أمام الدولة تنازلات بالواسطة أمام الاحتلال والوصاية، أي تنازلات عن السيادة والاستقلال وليست تنازلات لصالح تعزيز السيادة والاستقلال، ويكفي كمثال ما جرى عندما قبلت المقاومة معادلة الانسحاب المبكر عن روزنامة القرار 1701 من جنوب الليطاني لصالح الدولة كضمانة لتمكين الدولة من فرض انسحاب الاحتلال، وجاء خطاب رئيس الحكومة يصوّر الأمر انتصاراً على الميليشيات متباهياً بفرض السيادة على الجنوب بينما الاحتلال لا يزال جاثمًا فوق أرضه، محتفلًا بامتلاك الدولة قرار الحرب والسلم بينما قرار الحرب لا يزال بيد الاحتلال ولا أفق للسلم بل للاستسلام؟
كان الرئيس سليم الحص، رحمه الله، يقول في كثير من الأحيان ينجم عن التمسك بالقضية الوطنية الكبرى مشكلة سياسية لا تقل عنها أهمية، وربما تتجاوزها في الواقع السياسي، لكن المهم هو أن نتعلم كيف نحفظ القضية ونحن نبحث عن حل للمشكلة لا أن نسقط القضية بداعي حل المشكلة، ولعل هذا درس يجب أن يتعلمه اللبنانيون، قادة وحكاماً، قبل المواطنين.