خاص العهد
منذ توقيع الاتفاق التطبيعي بين الحكومة المغربية ودولة الاحتلال، تصاعد الحراك الشعبي والمدني المغربي لمواجهة التطبيع. عدة منظمات مجتمع مدني، بينها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، والهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، حذّرت من مخاطر التطبيع العسكري والأمني والثقافي والأكاديمي.
وأصدرت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة تقريرًا قيّمت فيه الوضع ووقفت عند حجم ومستوى الاختراق في المنظومة التربوية والتعليمية بالمغرب.
ترسيخ التطبيع الأكاديمي
التقرير استعرض مظاهر التجليّات وسياقها ومآلاتها، مركّزًا على التعديلات التي طالت بعض المناهج والبرامج الدراسية في المدرسة المغربية، والتي تعمل على ترسيخ التطبيع مع الكيان الصهيوني، مستهدفة تقديم صورة عامة عن جملة التحولات والاختراقات التي تتعرض لها قيم هذه المنظومة. واعتبرت الهيئة أن ما يحدث اختيار رسمي واستعداد واضح للتنازل عن السيادة القيمية الوطنية، مدعومًا بتنسيق دولي وإقليمي وإنفاق مالي لإطلاق مشروع تربوي وطني متكامل يُسمّى "التربية على التطبيع".
ويستهدف التطبيع الأكاديمي مسح التاريخ الإجرامي للكيان الصهيوني وتربية جيل جديد من المسلمين والعرب على قبول الاحتلال على الأراضي الفلسطينية وتبني الرواية الصهيونية للأحداث. ويأخذ شكل برامج ومناهج ومقررات وأنشطة مدرسية موازية أو مندمجة.
تزييف وعي الناشئة
يعمل التطبيع الأكاديمي على تزييف وعي الأجيال المقبلة وفق منظومة معرفية وقيمية محددة، وغرس تصور مزيف عن "التسامح" الديني والمحبة المصطنعة التي تصنّف اليهود والصهاينة ضمن قائمة "الإخوة"، بما يخدم تيار الدين المسمى "الإبراهيمية"، ويطمس النصوص القرآنية المخالفة لذلك. كما يهدف إلى تبييض صورة الكيان والسكوت عن جرائمه منذ 1948، تمهيدًا لشرعنة وجوده ودمجه في المحيط العربي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
اجتثاث القضية الفلسطينية
يسعى التطبيع إلى اجتثاث القضية الفلسطينية من الوعي العربي، وحذف اسم فلسطين من الخرائط، واستبداله بـ"إسرائيل"، وتطبيع صورة الاحتلال، والتشكيك في حق الشعب الفلسطيني في مقاومة احتلال أرضه، واستئصال مفهوم الجهاد والمقاومة من الوجدان العربي، واستبداله بمصطلحات "الواقعية السياسية" و"المصلحة الوطنية".
إعادة تشكيل الوعي
أشار التقرير إلى أن المناهج المغربية شهدت منذ 2020 إدماج التراث اليهودي ضمن مقررات التعليم الابتدائي، مع خطط لتوسيع الثقافة اليهودية عبر اتفاقيات مع جمعيات يهودية وأنشطة وزيارات مشتركة. كما كشف أن مسار المناهج التعليمية يعكس انخراطًا صريحًا في مشروع لإعادة تشكيل وعي الناشئة وفق إملاءات سياسية وثقافية عابرة للحدود.
وأكد أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغاربي لمناهضة التطبيع، لموقع "العهد" الإخباري أنّ هناك تغييبا تدريجيًا للقضية الفلسطينية وتحريفًا للمفاهيم القيمية المرتبطة بالمقاومة والأخوة في الدين، واستبدالها بخطاب عالمي يقدّس "السلام" و"التعايش" بصورة مجردة، مما يحوّل هذه القيم إلى أدوات لإخضاع الوعي.
وأضاف: "معركة المناهج التعليمية أولوية قصوى، فهي تستهدف صميم الإنسان وعقله ووعيه وإدراكه. وإذا كان انهيار الجبهات العسكرية أو الاقتصادية مؤقتًا، فإن انهيار الوعي أخطر لأنه ينتج أجيالًا بلا ذاكرة مقاومة ولا قدرة على الرفض".
وأوضح ويحمان أن "مصير الأمة مرتبط بقدرتها على تحصين مناهجها من الاختراق وبناء تعليم يربي شخصية مقاومة، حاضنة للقضية الفلسطينية، ورفض الاستعمار ومشاريعه، أما ترك المجال للاختراق فمعناه تحويل التطبيع من سياسة ظرفية إلى بنية ذهنية ووجدانية تتشربها الأجيال منذ نعومة أظافرها".