مقالات
في لحظاتها الأولى، بدت الحرب الأميركية – "الإسرائيلية" ضد إيران وكأنها محاولة لإنتاج صدمة استراتيجية تُحدث خلخلة عميقة في بنية النظام الإيراني، وربما تفتح الباب أمام تغيير سياسي من الداخل. الفكرة المركزية التي قامت عليها الحملة بسيطة في ظاهرها: ضربة مركّزة وقاسية يمكن أن تدفع نظامًا مأزومًا أصلًا إلى حافة الانهيار.
لكن قراءة الأيام الأولى تكشف أن هذه الحرب لم تنطلق من أرضية يقينية، بل من مجموعة افتراضات كبرى غير مضمونة التحقق. والأسوأ أن بعض هذه الفرضيات بدأ يتآكل منذ اللحظة الأولى. وهكذا يتأكد مرة أخرى أن واشنطن و"تل أبيب" لا تزالان تواجهان قصورًا في فهم الشارع الإيراني وهذا ما دأبوا عليه خلال العقود السابقة.
أولًا: رهان اغتيال القيادات
أحد الأعمدة الأساسية في الاستراتيجية تمثل في إمكانية توجيه ضربة قاصمة إلى القيادة السياسية–الأمنية العليا، بما يؤدي إلى شلل في إدارة المعركة، واضطراب في منظومة القرار، وربما تفكك داخل مراكز القوى.
غير أن هذا الرهان فشل ولم يتحقق السيناريو الذي بدأت به حرب حزيران الماضي. أضف إلى ذلك أن هذا الرهان يتجاهل طبيعة النظام الإيراني نفسه. فمركزية القيادة لا تعني هشاشتها. النظام ليس قائمًا على شخص واحد، بل على شبكة متداخلة من المؤسسات الدينية والعسكرية والأمنية، تتيح انتقال القرار بسرعة في حالات الطوارئ.
السؤال هنا ليس: هل يمكن استهداف القيادة؟
بل: ماذا يحدث بعدها؟
التجربة الإيرانية خلال الدفاع المقدس في مواجهة حرب صدام حسين عام 1980 تُظهر أن الضربات الخارجية لم تؤدِّ إلى انهيار النظام، بل عززت تماسكه الداخلي. بل إن مفهوم الاستشهاد الذي يتغلغل في الخطاب الرسمي يحوّل أي استهداف للقيادة إلى أداة تعبئة بدل أن يكون أداة تفكيك.
بمعنى آخر، حتى لو أصابت الضربة رأس الهرم، لا يعني ذلك سقوط البنية.
ثانيًا: رهان شلّ القدرات الاستراتيجية
الفرضية الثانية قامت على أن ضرب القدرات الصاروخية والنووية سيُفقد إيران قدرتها على الرد، أو يفرض عليها ردًا محدودًا يمكن احتواؤه.
لكن سرعة الرد الإيراني أظهرت خلل هذا التقدير. فالمنظومة الصاروخية، حتى إن تعرضت لأضرار، لم تُشل بالكامل. كما أن الردع الإيراني ليس تقنيًا فقط، بل مركّب من طبقات عسكرية وإقليمية وسياسية.
إعادة إطلاق الصواريخ أو توسيع ساحات الاشتباك يعني أن الضربة لم تُنتج “صدمة ردعية”، بل دفعت طهران إلى تثبيت معادلة واضحة: الرد قائم مهما بلغت الكلفة.
أما في ما يتعلق بالبرنامج النووي، فإن فكرة “التصفير” تبدو أقرب إلى الوهم. فحتى حرب الأيام الاثني عشر، التي وُصفت بأنها ألحقت أضرارًا كبيرة، لم تُنهِ البرنامج، بدليل استمرار التفاوض حوله لاحقًا. وجود خبرات علمية وبنى تحتية موزعة يجعل فكرة الإلغاء الكامل مسألة معقدة للغاية.
ثالثًا: رهان هشاشة الداخل الإيراني
ربما كان الرهان الأكثر حساسية هو الاعتقاد بأن النظام الإيراني يعيش لحظة وهن قصوى: أزمة شرعية، اقتصاد منهك، احتجاجات. ومن هنا جاء الاستنتاج أن ضغطًا عسكريًا خارجيًا قد يُعيد إشعال الشارع.
غير أن هذه القراءة قد تكون أقرب إلى التمنّي السياسي منها إلى التحليل الواقعي. فالمجتمعات لا تثور تلقائيًا تحت القصف. وغالبًا ما تتحول الحرب الخارجية إلى عامل توحيد داخلي، لا إلى عامل تفكيك.
من منظور طهران، يمكن تشبيه اللحظة الحالية بأيلول 1980، حين أدى الغزو العراقي إلى تعزيز اللحمة الوطنية بدل انهيار النظام. حتى داخل "إسرائيل"، لفت بعض المسؤولين السابقين في الاستخبارات العسكرية إلى هذا الاحتمال.
وإذا كانت واشنطن و"تل أبيب" تعلنان صراحة أن الهدف هو تغيير النظام، فإن ذلك يمنح القيادة الإيرانية فرصة ذهبية لتصوير المعركة باعتبارها حرب بقاء. وفي مثل هذه الحالات، يتراجع الانقسام الداخلي أمام الخطر الخارجي، كما حدث في مواجهة سابقة.
الهدف الغامض
السؤال الذي يلاحق الحملة منذ ساعاتها الأولى: ما هو الهدف المحدد والقابل للقياس؟ هل المطلوب تدمير البرنامج النووي بالكامل؟ أم تحييد القدرات الصاروخية؟ أم تغيير السلوك الإقليمي؟ أم إسقاط النظام نفسه؟.
غياب معيار واضح للنجاح يجعل نهاية الحرب مفتوحة. فإذا لم يسقط النظام، ولم يتفكك داخليًا، ولم يتوقف برنامجه الاستراتيجي بالكامل، فإن صورة الانتصار ستصبح ضبابية. والأسوأ أن استمرار النظام بعد حملة بهذا الحجم سيُقدم ايران على أنها انتصرت في مواجهة مشروع إسقاط النظام.
وهذا تحديدًا أحد أسوأ السيناريوهات التي يخشاها الطرفان.
فشل في الانطلاقة؟
الفشل لا يُقاس بعدد الأهداف التي أُصيبت، بل بمدى تحقق الفرضيات التي بُنيت عليها الحرب.
حتى الآن، المؤشرات الأولية لا تدعم الافتراضات الثلاثة الأساسية:
لم يظهر شلل بنيوي في القيادة الإيرانية.
لم تُشل القدرات الاستراتيجية بصورة حاسمة.
لم ينفجر الداخل الإيراني على نطاق واسع.
بل على العكس، هناك مؤشرات إلى أن الضربة قد تُعيد تثبيت المعادلة التي حاولت كسرها.
خاتمة: مأزق القوة وحدودها
إذا كان إسقاط النظام غير مرجّح بفعل بنيته المؤسسية وقاعدته الاجتماعية الصلبة، وإذا كانت الضربات العسكرية وحدها غير كافية لإحداث تحول استراتيجي في سلوك إيران، فإن الحرب تتحول من أداة حسم إلى أداة إدارة صراع.
وهنا يكمن المأزق الحقيقي:
حرب بدأت على فرضيات غير مؤكدة، وكل يوم يمضي من دون تحققها يرفع كلفة الخروج منها.
القوة قد تفتح المعركة، لكنها لا تضمن نهايتها. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن الرهان على الصدمة السريعة قد يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا وصلابة مما افترضه مخططو الحرب.