اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي مقدسيون يؤدون صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان قرب الأقصى

مقالات

قراءة أولية في خطاب قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي
مقالات

قراءة أولية في خطاب قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي

194


في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، جاء خطاب قائد الثورة الإسلامية في إيران آية الله السيد مجتبى الخامنئي ليحمل دلالات تتجاوز حدود اللحظة السياسية والعسكرية الراهنة. فالخطاب الذي ألقاه يوم الخميس 12 آذار/مارس 2026 لا يمكن قراءته بوصفه مجرد رد على تطورات ميدانية أو مواقف إقليمية طارئة، بل بوصفه محاولة لتثبيت معادلة استراتيجية تجمع بين البعد العقائدي والبعد السياسي والعسكري في آن واحد، ضمن المسار الذي أرساه الإمام روح الله الخميني وتابع ترسيخه الإمام السيد علي الخامنئي رضوان الله عليهما.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الخطاب الأول للقائد الجديد حمل مجموعة من الرسائل الواضحة على أكثر من مستوى. فقد أكد الخامنئي استمرار إيران في القتال والتصدي لما وصفه بالعدوان الغربي، مشددًا على أن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع عن موقفها في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية. وفي هذا السياق، شدد أيضًا على أهمية إغلاق مضيق هرمز بوصفه إحدى أدوات الضغط الاستراتيجية التي يمكن استخدامها في مواجهة خصوم إيران إذا استمر التصعيد.

وتضمن الخطاب أيضًا وعدًا صريحًا بالانتقام للجرائم التي ارتكبها العدو، ولا سيما جريمة مدرسة ميناب التي سقط فيها عدد من الشهداء، إضافة إلى القادة الذين استهدفتهم عمليات الاغتيال خلال المواجهة الأخيرة. فالحديث عن الثأر لدماء الشهداء لم يأت في إطار عاطفي فحسب، بل جاء ضمن سياق يؤكد أن هذه الدماء ستبقى عاملًا دافعًا لاستمرار المواجهة وتعزيز تماسك محور المقاومة.

وفي موازاة ذلك، دعا القائد الإيراني الجديد دول المنطقة إلى إغلاق القواعد الأميركية على أراضيها، مؤكدًا أن وجود هذه القواعد يشكل أحد أبرز أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. وأشاد بدور حلفاء إيران في جبهة المقاومة، من حزب الله في لبنان إلى القوى الفلسطينية والحوثيين في اليمن والفصائل العراقية، معتبرًا أن هذه القوى تشكل معًا جبهة متكاملة في مواجهة المشروع "الإسرائيلي" والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

هذا التصور يعكس الرؤية التي يقوم عليها محور المقاومة منذ سنوات، والتي تقوم على اعتبار أن ساحات المواجهة المختلفة ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل تشكل في جوهرها جبهة واحدة تتقاطع أهدافها في مواجهة "إسرائيل" والوجود العسكري الأميركي في المنطقة. ومن هنا تأتي الإشارة الواضحة في الخطاب إلى استمرار التنسيق والتكامل بين هذه الساحات، بما يعكس ما بات يعرف في الأدبيات السياسية لمحور المقاومة بوحدة الجبهات أو وحدة المعركة.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز قضايا المستضعفين في العالم بوصفها الركن الأخلاقي والإنساني الذي يمنح هذا الخطاب معناه الأوسع. فالدفاع عن المستضعفين، في أدبيات الثورة الإسلامية، لا يقتصر على جغرافيا محددة، بل يشمل كل الشعوب التي تواجه الاحتلال أو الهيمنة أو الظلم السياسي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يتم تقديم الصراع في المنطقة بوصفه جزءًا من معركة أوسع تتصل بمصير الشعوب التي تسعى إلى التحرر واستعادة سيادتها وكرامتها.

كما أن الحديث عن "مسيرة جبهة الحق" في الخطاب يعكس البعد العقائدي الذي يرافق هذا النهج السياسي. فالمواجهة، في هذا السياق، لا تُقدَّم بوصفها نزاعًا سياسيًا تقليديًا بين دول، بل بوصفها صراعًا بين مشروعين متعارضين: مشروع الهيمنة الذي تمثله "إسرائيل" وحلفاؤها، ومشروع المقاومة الذي يسعى هذا المحور إلى ترسيخه في المنطقة دفاعًا عن الشعوب المظلومة وعن حقها في الاستقلال والسيادة.

وفي قراءة أوسع لمضامين الخطاب، يمكن القول إن الرسالة التي أراد القائد الجديد إيصالها تتجاوز البعد الخطابي إلى إعلان موقف استراتيجي واضح. فالتفسير السياسي للخطاب يشير إلى أن إيران تعلن عمليًا استمرار الحرب من دون الانخراط في أي مسار تفاوضي في المرحلة الحالية. فالخطاب حمل إشارة صريحة إلى أن خيار التفاوض أو الدبلوماسية ليس مطروحًا في ظل ما تعتبره طهران عدوانًا مباشرًا عليها.

كما أن التشديد على إغلاق مضيق هرمز بوصفه خيارًا قائمًا يعكس قرارًا استراتيجيًا يصدر من أعلى هرم السلطة في البلاد، في إشارة إلى أن هذا الخيار لا يندرج في إطار التهديد السياسي فقط، بل يمكن أن يتحول إلى خطوة عملية إذا استمرت المواجهة. وفي السياق نفسه، يبرز التلميح إلى استمرار استهداف القواعد الأميركية في دول الجوار بوصفها جزءًا من معادلة الرد على الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

ومن بين الرسائل التي حملها الخطاب أيضًا محاولة إظهار تماسك النظام الإيراني في مواجهة الحرب. فالخطاب قدم صورة عن وحدة الموقف داخل مؤسسات الدولة، بدءًا من القائد الأعلى مرورًا بالحرس الثوري وقوات الباسيج والمؤسسات الأمنية، وصولًا إلى القيادات السياسية التي تدير شؤون البلاد، بما في ذلك شخصيات مثل علي لاريجاني والرئيس مسعود بزشكيان. وهذه الصورة تهدف إلى التأكيد أن مؤسسات الحكم في إيران تقف على قلب رجل واحد في إدارة المواجهة.

بهذا المعنى، يمكن قراءة الخطاب بوصفه بيانًا سياسيًا لإعلان استمرار الحرب، ورسالة مفادها أن طهران لا ترى في المرحلة الراهنة مجالًا للخضوع أو التراجع أو القبول بهدنة. فالرسالة الأساسية التي يبعث بها الخطاب هي أن إيران مستعدة لمواصلة المواجهة مهما طال أمدها، وأنها تعتبر هذه المعركة جزءًا من صراع أوسع مع منظومة الهيمنة العالمية.

في المحصلة، يعكس خطاب السيد مجتبى الخامنئي محاولة واضحة لتثبيت معادلة استراتيجية تقوم على الجمع بين الإرث الفكري للثورة الإسلامية وبين متطلبات الصراع الإقليمي الراهن. فهو من جهة يؤكد الاستمرار في النهج الذي وضع أسسه الإمام الخميني وتابع مساره الإمام الخامنئي، ومن جهة أخرى يبعث برسائل واضحة مفادها أن محور المقاومة يمتلك من أوراق القوة ما يكفي لمواصلة المواجهة، وأن هذه الحرب -في نظر القيادة الإيرانية- لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل معركة طويلة تتعلق بمستقبل موازين القوى في المنطقة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة