مقالات مختارة
عمر نشابة - صحيفة الأخبار
استشهد محمد شري، مدير البرامج السياسية في قناة «المنار»، فجر أمس، مع زوجته وجُرح أطفاله. لم يكن محمد شري مقاتلاً في ميدان عسكري بل مناضلاً في ميدان الكلمة. ولم يكن محمد شري في مكان عمله بل نائماً مع أفراد عائلته في الشقة التي لجأوا إليها بعد أن هُجّروا من منزلهم في الضاحية الجنوبية لبيروت التي تتعرّض للقصف بشكل متواصل.
أي عدوان هذا الذي يلاحق الإنسان من بيته إلى نزوحه، ومن نزوحه إلى ملجئه المؤقّت؟ وأي منطق هذا الذي يبرّر قصف عائلة نائمة في
حي آمن من أحياء العاصمة؟
محمد شري لم يُقتل لأنه يحمل سلاحاً، بل لأنه حمل الرواية ونقلها إلى الناس عبر «المنار». ويبدو أن الرواية في هذا الصراع أخطر من الرصاص لأنها تكشف ما يسعى العدو إلى إخفائه وتحيي ثقافة المقاومة وترفع المعنويات وتنقل الواقع بأمانة وتمنع تحويل الضحايا إلى أرقام وتمنع وصف الدمار كأضرار جانبية. لذلك يُستهدف الإعلاميون، لا لأنهم يقاتلون بالسلاح بل لأنهم يروون بالكلمة والصورة والخبر اليقين.
في هذه الجريمة التي تضاف إلى العديد من الجرائم الإسرائيلية المماثلة، تتكثّف صورة العدوان في أبشع أشكاله: قتل مدنيين، استهداف صحافيين، ترويع عائلات وملاحقة نازحين حتى في أماكن لجوئهم وترهيب سكان العاصمة بيروت. أفعال لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أمنية أو عسكرية، بل تندرج في إطار سياسة قائمة على كسر المجتمع المقاوم من خلال ضرب بنيته المدنية.
لكنّ مجتمع المقاومة عصيّ على الكسر وهذا النوع من الجرائم لا يُضعِف فكرة المقاومة، بل يعيد إنتاجها. حين يُقتل صحافي في منزله وتُقصف عائلته وتُهدم آخر مساحة آمنة له، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع ليست الخوف، بل العكس تماماً: أن هذا العدوان لا يفرّق بين أحد، وأن البقاء والاستمرار بنقل الرواية بأمانة وشجاعة يصبحان فعل مقاومة.
في لحظات كهذه، يتحوّل أي نقاش حول ما إذا كانت مقاومة الاحتلال خياراً سياسياً أو واجباً وطنياً إلى سؤال فارغ من مضمونه، لأن الواقع يفرض نفسه بقوة: عندما يكون القتل عشوائياً، والاستهداف شاملاً، والعدوان مستمراً، تصبح المقاومة رداً تلقائياً وطبيعياً، وليس مجرّد خيار قابل للنقاش.
قد يختلف اللبنانيون على أشكال المقاومة وعلى إدارتها وعلى موقعها في الدولة لكن ما لا يُفترض أن يكون محل خلاف هو أن قتل المدنيين والصحافيين والأطفال لا يمكن أن يُواجَه بالصمت أو التبرير أو الحياد. إنّ استشهاد محمد شري، إلى جانب زوجته، وإصابة أطفاله، ليس مجرّد خبر حزين، بل لحظة كاشفة لوجه العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان واللبنانيين.
ولا بد للبنانيين من أن يعلموا أنّ كل تنازل أمام العدو الإسرائيلي وداعمه الأميركي يُقرأ ضعفاً، وكل صمت يُفسَّر قبولاً، وكل محاولة للالتفاف على الواقع تنتهي بمأساة جديدة. في المقابل، تبقى المقاومة وتبقى الذاكرة. ذاكرة الناس الذين استشهدوا لأنهم قرّروا أن يبقوا أوفياء لمبادئ العدل والإنصاف ودفعوا دماءَهم ثمناً لنقل الحقيقة، وذاكرة ذوي محمد شري وزملائه وأصدقائه الذين يحملون جرح رحيله.
محمد شري ليس مجرّد اسم يُضاف إلى لائحة الضحايا. هو شاهد على مرحلة، وصوت أُسكت بالقوة، لكنه سيبقى حاضراً في كل محاولة لقول الحقيقة. قتله ليس نهاية روايته بل بداية فصل جديد منها يُكتب بدمه ودم عائلته الكريمة.
وفي النهاية قد تُهدم البيوت وتُقصف الشقق ويُقتل الناس وتُسكت الأصوات، لكن حقيقة واحدة تبقى عصية على القصف: أنّ الشعب الذي يُستهدف بهذه الطريقة لن يتخلّى عن حقه في الدفاع عن نفسه. قد تختلف الوسائل، وقد تتباين الرؤى، لكنّ جوهر المسألة يبقى ثابتاً: في مواجهة العدوان لا يمكن للحياة أن تستمر من دون مقاومة.