اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي توتر في العلاقات: "إسرائيل" توقف مشترياتها الدفاعية من فرنسا

مقالات

فشل الرهان على الشارع الإيراني وارتداد الأزمة إلى الداخل الأميركي
مقالات

فشل الرهان على الشارع الإيراني وارتداد الأزمة إلى الداخل الأميركي

135

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

في لحظةٍ بدت، للوهلة الأولى، وكأنها امتداد طبيعي لعقيدة التدخل الأميركية في "الشرق الأوسط"، دخلت واشنطن -بقيادة ترامب- مواجهة مفتوحة مع إيران، وهي تحمل في جوهرها افتراضًا استراتيجيًا مألوفًا: أن الضغط العسكري الخارجي، إذا ما اقترن باستهداف البنى التحتية الحيوية، سيؤدي بالضرورة إلى تفجير تناقضات الداخل، ودفع الشارع إلى الانقلاب على النظام. هذا الافتراض، الذي رافق حروبًا سابقة، من الحرب في فيتنام إلى حرب العراق، عاد اليوم بصيغة أكثر حداثة، لكنه لم يكن أقل سذاجةً في بنيته التحليلية.

غير أن ما جرى خلال الشهر الأول من الحرب، ثم مع دخولها شهرها الثاني، كشف عن خلل بنيوي في هذا التصور، ليس فقط في تقدير طبيعة النظام الإيراني، بل -وهو الأهم- في فهم ديناميات المجتمع الإيراني ذاته، وكيفية تفاعله مع التهديد الخارجي.

الرهان الخاطئ: حين يُساء فهم المجتمع

الخطأ المركزي الذي وقعت فيه الحسابات الأميركية -و"الإسرائيلية" بشكل أكثر وضوحًا- هو الخلط بين وجود التناقضات الداخلية وبين قابلية هذه التناقضات للتحول إلى فعل سياسي في ظل الحرب. فالمجتمع الإيراني، كغيره من المجتمعات التي خاضت تجارب تاريخية مع الحروب الوجودية، يمتلك ذاكرةً سياسيةً عميقةً، تشكّلت بشكل خاص خلال الحرب العراقية-الإيرانية، حيث لم تؤدِّ سنوات الحرب الطويلة إلى انهيار النظام، بل إلى إعادة إنتاجه عبر آليات تعبئة وطنية وقومية.

إن الفرضية التي تقول إن القصف الخارجي سيؤدي إلى انتفاضة داخلية، تتجاهل قاعدةً أساسيةً في علم الاجتماع السياسي: أن المجتمعات تميل، في أوقات التهديد الوجودي، إلى تعزيز التماسك الداخلي، حتى في ظل وجود اعتراضات حادة على السلطة. فالخلافات تُعلّق، أو تُؤجل، لصالح أولوية البقاء.

وهذا ما حدث بالضبط. فبدلًا من أن يخرج الإيرانيون ضد نظامهم، حدث العكس: تصاعدت مشاعر الهوية الوطنية، وتحوّلت الحرب -في الوعي الجمعي- من صراع مع الحكومة إلى صراع على الدولة نفسها. لم تعد المسألة تتعلق بالجمهورية الإسلامية، بل بإيران ككيان تاريخي وجغرافي.

إعادة إنتاج الخطأ التاريخي

ليست هذه المرة الأولى التي تُخطئ فيها واشنطن -ومعها حلفاؤها- في قراءة التحولات داخل إيران. ففي أواخر السبعينيات، عشية الثورة الإيرانية، كانت التقديرات الغربية تشير إلى استقرار النظام الملكي، وإلى أن أي اضطرابات لن تتجاوز حدود الاحتواء. لكن ما حدث كان انهيارًا سريعًا وغير متوقع، كشف عن فجوة عميقة بين القراءة الاستخبارية والواقع الاجتماعي.

اليوم، يتكرر الخطأ ذاته، ولكن بصورة معكوسة: بدلًا من التقليل من احتمال السقوط، جرت المبالغة في تقدير هشاشة النظام. في الحالتين، المشكلة واحدة: عجز بنيوي عن فهم المجتمع الإيراني من الداخل، والاعتماد المفرط على أدوات تحليل خارجية كـ"الموساد الإسرائيلي"، غالبًا ما تكون مشبعة بأجندات سياسية.

الحرب كأداة لتوحيد الداخل لا تفكيكه

الاستراتيجية التي اعتمدتها "إسرائيل" -بدعم أميركي- قامت على نموذج تم اختباره سابقًا: استخدام القوة العسكرية المكثفة، بالتوازي مع محاولة تحفيز الرأي العام ضد القوى الحاكمة. لكن هذا النموذج، الذي قد ينجح جزئيًا في بيئات معينة، فشل في الحالة الإيرانية لأسباب بنيوية.

فإيران ليست مجرد ساحة صراع، بل دولة ذات عمق حضاري، وتاريخ طويل من مقاومة التدخلات الخارجية. هذا العامل، إلى جانب الحساسية العالية تجاه السيادة الوطنية، جعل أي خطاب خارجي حول "تغيير النظام" أو "إعادة رسم الخريطة" -كما ألمح إليه ترامب- عامل تعبئة إضافي لصالح النظام، لا ضده.

بل إن استهداف البنى المدنية -من مدارس ومساكن ومنشآت طاقة- ساهم في ترسيخ قناعة لدى الإيرانيين بأن الحرب ليست موجهة ضد السلطة فقط، بل ضد المجتمع ككل. وهنا، يتحول الصراع من سياسي إلى وجودي، ومن داخلي إلى خارجي.

انقلاب الاتجاه: من طهران إلى واشنطن.. عندما يرتدّ السلاح على صاحبه

ما جرى هنا ليس مجرد مفارقة إعلامية أو حدثًا هامشيًا، بل هو تحوّل بنيوي في ديناميات الصراع. الفكرة الأساسية التي حكمت سلوك إدارة ترامب كانت تقوم على نموذج كلاسيكي في التفكير الاستراتيجي الأميركي: الضغط الخارجي المكثف يُفترض أن يولّد تفككًا داخليًا لدى الخصم. لكن ما حدث فعليًا هو عكس ذلك تمامًا، تم "تصدير" الأزمة إلى الخارج، لكنها عادت مضاعفةً إلى الداخل الأميركي.

لكن المفارقة الأكثر دلالة لم تكن في فشل إشعال الشارع الإيراني، بل في اندلاع الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة نفسها. ما كان يُراد له أن يكون أداة ضغط على طهران، تحوّل إلى عامل ضغط على واشنطن.

الاحتجاجات الواسعة تحت شعار "لا للملوك" لم تكن فقط رفضًا لحرب بعيدة جغرافيًا، بل كانت تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة بين الدولة ومجتمعها. عندما يخرج ما يقارب 8 إلى 9 ملايين شخص في أكثر من 3000 نقطة احتجاج، فهذا لا يُقرأ كحدث ظرفي، بل كإشارة إلى خلل في البنية السياسية نفسها. هنا، يتحول الشارع من أداة ضغط خارجي -كما كان يُراد له في إيران- إلى فاعل داخلي يهدد استقرار القرار السياسي في واشنطن.

تصريحات عضو مجلس الشيوخ السيناتور الأميركي بيرني ساندرز ليست مجرد موقف سياسي تقليدي، بل استدعاء لذاكرة جماعية أميركية مرتبطة بالخداع في الحروب، من حرب فيتنام إلى حرب العراق. هذا الربط يعيد تعريف الحرب الحالية ليس كحالة استثنائية، بل كحلقة في سلسلة من "الحروب غير المبررة"، وهو ما يضرب شرعية القرار من أساسه.

أما تحذير المفكر الأميركي جون ميرشايمر، فهو أكثر عمقًا: هو لا يتحدث عن خسارة معركة، بل عن دخول حرب لا يمكن ربحها ضمن شروطها البنيوية. تشبيه الوضع بسفينة "تايتانيك" ليس مبالغةً خطابيةً، بل توصيف لحالة اندفاع استراتيجي نحو أزمة معروفة النتائج.

الاقتصاد كعامل تفجير داخلي

إذا كان الرهان على الشارع الإيراني قد فشل لأسباب اجتماعية وسياسية، فإن ارتداد الأزمة إلى الداخل الأميركي كان مدفوعًا، إلى حد كبير، بعوامل اقتصادية. ارتفاع أسعار النفط، نتيجة التوتر في مضيق هرمز، انعكس مباشرةً على أسعار الوقود والخدمات، ما أثار استياءً واسعًا لدى الطبقة الوسطى.

في الحروب الحديثة، لم تعد الجبهة الاقتصادية مجرد عامل مساعد، بل أصبحت ساحة صراع موازية، وأحيانًا حاسمة. ما حدث في الولايات المتحدة يؤكد هذه القاعدة بوضوح. إغلاق أو تهديد مضيق هرمز أدى إلى قفزة في أسعار النفط، تجاوز فيها سعر البرميل 120 دولارًا. هذه ليست مجرد أرقام في الأسواق، بل انعكاسات مباشرة على الحياة اليومية: ارتفاع أسعار الوقود، زيادة تكاليف النقل، تضخم أسعار السلع والخدمات. هنا، تتحول الحرب من "خبر خارجي" إلى "تجربة معيشية يومية".

وهذا التحول هو الأخطر سياسيًا. المواطن الأميركي الذي قد لا يهتم بالتفاصيل "الجيوسياسية" لإيران، يهتم مباشرةً بسعر البنزين وفاتورة الكهرباء. وعندما يربط بين هذا الارتفاع وبين قرارات الحرب، فإن المعادلة تتغير: لم تعد الحرب مسألة "أمن قومي"، بل أصبحت عبئًا اقتصاديًا مباشرًا.

ولهذا نرى أن شعارات الاحتجاج لم تبقَ في إطار "لا للحرب"، بل توسعت إلى "لا لغلاء المعيشة"، ما يعني أن الحرب فقدت غطاءها السياسي والأخلاقي، ودخلت في منطقة المساءلة اليومية.

انقسام داخل الانقسام

المشهد السياسي الأميركي اليوم لا يعكس مجرد انقسام تقليدي بين الحزبين، بل حالة أكثر تعقيدًا يمكن وصفها بـ"انقسام داخل الانقسام". فداخل "الحزب الديمقراطي"، هناك تيارات متعددة تتباين في موقفها من الحرب، من الرفض المطلق إلى التحفظ التكتيكي. وفي "الحزب الجمهوري"، يظهر تيار انعزالي يرفض التدخلات الخارجية، مقابل تيار تقليدي يدعمها.

هذا التداخل يخلق ما يمكن وصفه بـ"شلل استراتيجي". فالإدارة لا تواجه معارضة من خصومها فقط، بل من داخل معسكرها أيضًا. هذا التشظي يحدّ من قدرة الإدارة على اتخاذ قرارات حاسمة، ويجعل أي تصعيد عسكري محفوفًا بمخاطر سياسية داخلية، خاصةً مع اقتراب الانتخابات النصفية.

في هذا السياق، يصبح شعار "لا للملوك" أكثر من مجرد هتاف؛ إنه تعبير عن خوف حقيقي من تحوّل السلطة التنفيذية إلى مركز قرار منفلت من التوازنات الدستورية.

حدود القوة: من الهيمنة إلى الاستنزاف

ما تكشفه هذه الحرب، في جوهره، هو حدود القوة العسكرية كأداة لتحقيق أهداف سياسية معقدة. فكما في العراق وأفغانستان، يتبين أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى نجاح استراتيجي، خاصةً عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل أنظمة أو مجتمعات.

إيران، بخبرتها الطويلة في الحرب غير المتكافئة، وبشبكة حلفائها الإقليميين، قادرة على تحويل أي تدخل عسكري إلى عملية استنزاف طويلة. وفي المقابل، لا تملك الولايات المتحدة -سياسيًا أو شعبيًا- القدرة على تحمل كلفة حرب مفتوحة.

في نهاية المطاف؛ يمكن القول إن الحرب التي بدأت بهدف إسقاط النظام الإيراني، تحولت إلى عامل ضغط على النظام السياسي الأميركي نفسه. فشل الرهان على الشارع الإيراني لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كشف عن أزمة أعمق في طريقة التفكير الاستراتيجي.

بدل أن تنهار طهران، اهتزت واشنطن، وبدل أن ينقسم الإيرانيون، انقسم الأميركيون. هذه المفارقة ليست عرضية، بل تعكس حقيقةً بنيويةً: أن الحروب، في عصر العولمة والتشابك الاقتصادي، لم تعد محصورة في ساحات القتال، بل تمتد آثارها بسرعة إلى الداخل.

وهنا، يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن أمام فشل عابر في التقدير، أم أمام بداية تآكل أعمق في قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها عبر القوة؟

الإجابة، على الأرجح، تتجاوز هذه الحرب، وتمتد إلى مستقبل النظام الدولي نفسه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة