إيران
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن النظام السياسي الدولي الحالي يحتاج لإعادة النظر، فمجلس الأمن اليوم هو رمز بارز لعدم الفعالية والاختلال في التوازن، والمثال الواضح على عدم فعالية هذا المجلس هو صمته إزاء الحرب العدوانية الصهيو-أميركية المفروضة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي كلمة له خلال الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الدول الأعضاء في مجموعة الـ"بريكس"، الذي عقد اليوم الخميس 15 أيار/مايو 2026، تحت عنوان "إعادة بناء النظام العالمي، ضرورة إصلاح الحوكمة الدولية وإحياء التعددية" أوضح عراقجي أن العالم يعيش اليوم عصرًا من عدم الاستقرار الهيكلي وأزمة عميقة في الثقة. فالهياكل التي تحكم النظام الدولي، والتي صُممت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد قادرة على تلبية حقائق القرن الحادي والعشرين. كما أن الفجوة بين القوى الناشئة وهياكل صنع القرار التقليدية لا تهدد الاستقرار العالمي فحسب، بل تغذي أيضًا ظلمًا واسع النطاق في توزيع القوة والثروة وفرص التنمية".
وشدد على "أن ما نشهده اليوم في بعض المؤسسات الدولية ليس "تعددية"، بل هو محاولة للحفاظ على "أحادية القطب" تحت غطاء القوانين الدولية. إن الاستخدام الأداتي للقوانين، وفرض العقوبات الأحادية، وتجاهل حقوق الدول وسيادتها الوطنية، كلها مؤشرات على أزمة عميقة في الحوكمة العالمية. إن النظام الذي يُفوّض القرارات الحيوية والمصيرية للبشرية لفئة محدودة من الدول، ويتجاهل مصالح الدول النامية، فقد شرعيته. هذا النهج القائم على القوة المطلقة لا يضمن السلام فحسب، بل هو السبب الرئيسي للتوترات الإقليمية والعالمية".
وأكد عراقجي أنه "لا يمكن التغاضي عن إحدى الأدوات الرئيسية لزعزعة الاستقرار العالمي ألا وهي العقوبات الأحادية. لقد تحولت العقوبات اليوم من أدوات دبلوماسية إلى أسلحة للحرب الاقتصادية والضغط على المجتمعات النامية والمستقلة. هذه الإجراءات، التي تُنفذ في انتهاك صريح للقوانين الدولية، لا تستهدف الحكومات فحسب، بل تستهدف الحقوق الأساسية للإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة والصحة والغذاء والتنمية. إن العقوبات المفروضة على الشعوب هي إجراءات غير قانونية وتُشوش النظام الاقتصادي العالمي، وهدفها يتجاوز حل النزاعات وممارسة الضغط لتغيير السلوك السياسي. تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن مواجهة هذا "الإرهاب الاقتصادي" وإنشاء آليات مالية مستقلة في إطار مجموعة الـ"بريكس" هي ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على استقلال الدول وسيادتها الوطنية".
ولفت إلى أن العالم اليوم يشهد عودة إلى عصر الحروب التي لا نهاية لها، والعنف الصارخ المكشوف، والأحادية المتطرفة. وقال: "لقد تلاشت مُثُل السلام والحرية واحترام حقوق الإنسان وكرامته، وحل محلها التباهي بالإبادة الجماعية والنهب والعدوان. لقد اختُزل تطبيق القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة من قبل المعتدين الأقوياء إلى مجرد ألفاظ وأكاذيب لتبرير الحرب والاحتلال. لقد خفّضت معظم المنظمات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، من نطاق سلطتها التشريعية أمام الغطرسة أحادية الجانب".
وشدد على أنه في مثل هذه الظروف، فإن فكرة التعددية في بلدان الجنوب العالمي-التي قامت عليها مجموعة الـ"بريكس" وتتجسد فيها- أصبحت أكثر من أي وقت مضى ضرورية وحيوية من أجل احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والحوكمة العالمية. ويلتزم أعضاء مجموعة الـ"بريكس" بتنفيذ مبادئ هذا الميثاق والدفاع عنها.
وأضاف: "إن مبدأ عدم استخدام القوة، كمبدأ بارز ومحوري في ميثاق الأمم المتحدة وإنجاز إنساني في خضم التجارب المريرة للحروب العالمية، يواجه الآن تحديًا خطيرًا من قبل الولايات المتحدة. فإن الحروب غير القانونية والأحادية التي تشنها هذه الدولة، والتي كانت قد أوصلت أساس النظام الدولي القائم على العدالة والتعددية إلى حافة الانهيار، قد امتزجت الآن بالوحشية والهمجية".
وتابع قائلًا: "تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظمات الدولية، ولا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. الإصلاحات التي ننشدها هي إصلاحات من أجل "توزيع عادل للسلطة"، وليست مجرد تغيير في الاسم أو في تشكيلة الأعضاء. إننا نسعى إلى نظام يكون فيه: العدل بديلًا عن القوة، السيادة الوطنية هي المبدأ الأول، حقوق جميع البشر محترمة ويُقبل التنوع الثقافي والسياسي".
وأضاف: "إن النظام السياسي الحالي يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة شاملة. فمجلس الأمن اليوم بات رمزًا بارزًا لعدم الفعالية والاختلال في التوازن. والمثال الواضح على عدم فعالية هذا المجلس هو صمته إزاء الحرب العدوانية المفروضة التي شنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. في هذه الحرب، تعرضت النساء والأطفال لهجمات ممنهجة ومتعمدة. وتُعد هذه الإجراءات انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف الأربعة، وهي مثال جليّ على جريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية".
وشدد على أن أكثر الأمثلة مأساوية هو الهجوم المزدوج على مدرسة "الشهيد مطهري" للفتيات في مدينة ميناب، والذي استشهد خلاله 168 إنسانًا بريئًا خلال ساعات الدرس وفي مكان تعليمهم. إن العدوان العسكري الذي بدأ في الساعة 9:30 صباح يوم السبت 28 شباط/فبراير، لم يمنح المدارس فرصة الإغلاق وعودة التلامیذ إلى منازلهم.
وأكد عراقجي أن الهجمات على البنى التحتية الحيوية في إيران -بما في ذلك المصافي النفطية، ومجمعات البتروكيماويات، والجسور، والسكك الحديدية، والملاعب الرياضية، والمراكز الثقافية والتاريخية، وخطوط نقل الطاقة، والمنشآت الصناعية الهامة- هي استمرار لهذا النهج. هذه البنى التحتية ليست مجرد منشآت فنية أو اقتصادية؛ بل هي العمود الفقري للحياة اليومية للناس.
وقال: "إذا التزمنا الصمت اليوم إزاء معاناة الشعب الإيراني، وإزاء الدماء المسفوكة ظلما للمواطنين، وإزاء صرخات الأطفال في مدارس ميناب، وإزاء الهجمات على البنى التحتية، أو تجاوزناها بناء على اعتبارات سياسية، فإن دوامة العنف وعدم الاستقرار هذه قد تنتقل غدًا الى أي نقطة أخرى في العالم. إن الدفاع عن إيران هو دفاع عن مبدأ عالمي مفاده: إن أمن أي دولة لا ينبغي أن يُبنى على أنقاض منازل ومدارس وبنى تحتية حيوية لشعب أخر".
وطالب عراقجي جميع الحكومات والمنظمات الدولية أن تقف بصوت واضح ومسؤول إزاء الهجمات على المدنيين والبنى التحتية الحيوية في إيران، وأن تدافع عن سيادة القانون والعدالة والكرامة الإنسانية. يجب على المجتمع الدولي أن يتخلى عن معايير ازدواجية المعايير، وأن يُظهر أن حياة طفل في ميناب لا تقل قيمة عن حياة أي طفل في أي مكان آخر في العالم.
وتابع: "على هذا الأساس، فإن إصلاح مجلس الأمن ليس خيارًا، بل هو ضرورة لبقاء الأمم المتحدة واستمرارها. إننا نسعى إلى مجلس يتمتع بتمثيل حقيقي لجميع القارات والمناطق في العالم، مجلس تُوزع فيه السلطة على أساس المسؤولية والعدالة، لا أن يكون في خدمة مصالح بعض القوى المستغلة والمعتدية فقط".
وأضاف: "في هذا السياق، فإن مجموعة الـ"بريكس"، التي تمثل جزءًا كبيرًا من سكان العالم واقتصاده، تمتلك إمكانات فريدة لتصبح العمود الفقري لتعددية أطراف حقيقية. يتعين علينا في البريكس ألا نعمل من أجل تشكيل كتلة مواجهة، بل من أجل إحداث توازن استراتيجي. فتعاوننا في المجالات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية يمكن أن يقلل الاعتماد على الهياكل الاحتكارية، وأن يخلق مساحة جديدة للاستقلال والتنمية المستدامة. يمكن لمجموعة البريكس أن تكون نموذجًا للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة".
وختم عراقجي بالقول "لقد حان الوقت للانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "إدارة الهياكل". إننا بحاجة إلى نظام يكون فيه السلام نتاجًا للعدالة، والاستقرار نتيجة للمشاركة الجماعية. دعونا نستثمر قدرات مجموعة الـ"بريكس" ونستخدمها لإعادة بناء الحوكمة العالمية، واستعادة المصداقية للتعددية".