اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مشاهد من عملية استهداف المقاومة الإسلامية جرّافة ودبّابة "ميركافا" للعدو في الجنوب

مقالات

إنجازات المقاومة تتجاوز معادلات الميدان إلى تشكيل حدود الممكن
مقالات

إنجازات المقاومة تتجاوز معادلات الميدان إلى تشكيل حدود الممكن

102

في كثير من الأحيان، يُخطئ التحليل حين يحاول قراءة الحروب من خلال نتائجها المباشرة فقط، متجاهلًا ما هو أكثر تأثيرًا: التحولات التي تصيب آليات التقدير نفسها. فليست كل مواجهة تُعيد رسم خرائط السيطرة، لكن بعضها يعيد تشكيل كيفية اتخاذ القرار، أي يطال ما يمكن تسميته بـ“بنية التقدير” لدى الأطراف المتصارعة. وهذا تحديدًا ما أفرزته المواجهة الأخيرة الناتجة عن رد المقاومة على الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة خلال 15 شهرًا، حيث لم يكن التغيير فقط في حجم القوة (المفترضة لدى أعداء المقاومة وخصومها) بقدر ما كان أيضًا في آلية تقديرها وفهمها.

أين وقع التحول؟
قبل اندلاع هذه الجولة، كان هناك شبه إجماع ضمني -خصوصًا في الخطاب "الإسرائيلي" وبعض الأوساط الداخلية- على أن حزب الله بات محكومًا بقيود تمنعه من الذهاب بعيدًا في أي مواجهة. هذا التقدير لم يكن مجرد قراءة، بل تحوّل إلى فرضية تشغيلية بُنيت عليها سياسات وخيارات. لكن ما حدث فعليًا هو أن هذه الفرضية لم تصمد أمام اختبار الواقع لأنها كانت تبسيطية في فهم طبيعة القوة لدى المقاومة.

إعادة تشكيل بنية التقدير
التحول الأساسي الذي يمكن رصده لا يكمن في “زيادة” قدرة المقاومة، بل في كشف طبيعتها الحقيقية. فالقوة هنا لا تُختزل في حجم النيران أو عدد الوسائط، بل في القدرة على الاستمرار تحت الضغط دون فقدان السيطرة. هذا النوع من القوة يفرض نفسه تدريجيًا، لأنه يغيّر توقعات الخصم حول ما يمكن تحقيقه في زمن محدد.

من هنا، بدأ يظهر ما يمكن وصفه بـاختلال في توقعات العدو. فالتقدير الذي يفترض إمكانية تحقيق نتائج سريعة اصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيدًا، حيث لم تؤدِ الضغوط إلى انهيار أو تفكك، بل إلى نمط من التكيّف المنظم. هذا التحول لا ينعكس فقط في الأداء العسكري، بل في سلوك اتخاذ القرار: حين يصبح تحقيق الهدف غير مضمون زمنيًا، تتراجع شهية المخاطرة، ويزداد الميل إلى الحذر.

وفي هذا السياق، يمكن فهم تراجع الاندفاعة لدى الجيش (مع التأكيد على أن القرار النهائي بيد المستوى السياسي) نحو توسيع نطاق الاحتلال بوصفه نتيجة مباشرة لهذا التغيير في التقدير. فالعدو لم يواجه فقط قوة قادرة على الرد، بل قوة قادرة على إطالة أمد المواجهة دون أن تنهار، وهو ما يحوّل أي توسيع لنطاق السيطرة الفعلية على الأرض إلى خيار مكلف وغير مضمون النتائج.

لكن الأثر لم يتوقف عند العدو. داخليًا، أدى هذا التحول إلى إرباك في الخطاب المضاد للمقاومة. فالفرضية التي بُني عليها هذا الخطاب -أن الحزب فقد قدرته- لم تعد قابلة للاستمرار ما خلق فجوة بين الخطاب والواقع. هذه الفجوة، في السياقات السياسية، غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من الميدان وإن كانت مرتبطة به لأنها تضرب مصداقية السردية نفسها.

في المقابل، على مستوى البيئة الحاضنة، لم يكن الأثر مجرد تعزيز للثقة، بل إعادة تثبيت لمعيار التقييم. فالمقاومة لم تُقدَّم كرمز أو كشعار، بل كقدرة عملية يمكن قياسها في الميدان. وهذا الفرق جوهري، لأنه ينقلها من مجال الانقسام السياسي إلى مجال الوظيفة الواقعية: من يستطيع أن يفرض توازنًا فعليًا في مواجهة التهديد؟

أما على المستوى الأوسع، فقد كشفت المواجهة عن خلل في الفصل بين الأدوات السياسية والعسكرية. فالدبلوماسية، حين تُمارَس من دون سند ميداني فعّال، تتحول إلى أداة إدارة لا أداة تغيير. وما جرى أعاد التأكيد على أن القوة التفاوضية لا تُبنى خارج الميدان، بل تُستمد منه.

حدود الممكن
ما يجعل هذه المواجهة مختلفة هو أنها لم تنتج مجرد معادلة رد ودفاع بل التأثير في وعي وحسابات جهات التقدير والقرار. أي أن كل طرف بات يعيد حساباته بناءً على فهم جديد لإرادة وقدرات الطرف الآخر. وهذا النوع من التوازن أكثر استقرارًا، لأنه لا يقوم فقط على الردع المباشر (في سياق الحرب)، بل على توقعات متبادلة حول حدود الفعل.

وهنا تحديدًا يظهر الإنجاز الحقيقي للمقاومة: لم تغيّر فقط ما تستطيع فعله، بل غيّرت ما يعتقد الآخرون أنها تستطيع فعله. وهذا الفارق هو ما يحدد في النهاية سلوك الأطراف في المراحل اللاحقة.

في المحصلة، لا يمكن اختزال ما جرى في معادلة ربح وخسارة تقليدية. ما تحقق هو تحول في مستوى أعمق: انتقال الصراع من اختبار القدرات إلى اختبار التقديرات والرهانات والخيارات. وفي هذا الانتقال، فرضت المقاومة نفسها كعامل يعيد تشكيل حسابات الجميع، لا من خلال إعلان القوة، بل من خلال ممارستها بطريقة تجعلها قابلة للاستمرار والتأثير. وفي صراع طويل كهذا، قد يكون تغيير طريقة التفكير أهم من تغيير خطوط الاشتباك نفسها، لأنه هو الذي يرسم حدود الممكن في كل مواجهة قادمة.

 
الكلمات المفتاحية
مشاركة