عربي ودولي
كاتب من العراق
قبل نحو أسبوع، قام السفير الإيراني في العراق، محمد كاظم آل صادق، بزيارات إلى شخصيات سياسية عراقية، سلَّم كلًّا منها رسالة خاصة من قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد مجتبى الخامنئي، عبَّر فيها عن شكره وتقديره للمرجعية الدينية وللشعب العراقي وقواه السياسية والمجتمعية ونخبه الفكرية والثقافية والعشائرية، لِما أبدوه من مشاعر ومواقف حيال استشهاد قائد الثورة الإسلامية الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، وحيال العدوان الأميركي - الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أكّدت رسالة آل صادق عمق العلاقات والروابط الراسخة بين البلدَين الجارين، وشدّدت على أهمية استمرارها وتطويرها بما يخدم مصالح الطرفين، ويمكّنهما من مواجهة الأعداء وإحباط مخططاتهم وإفشال مؤامراتهم.
لا شك بأنّ رسائل السيد مجتبى الخامنئي إلى العراق انطوت على إشارات مهمة وعميقة، يمكن النظر إليها والتعاطي معها على أنّها خارطة طريق تُحدِّد المسارات المستقبلية الصحيحة والمطلوبة للعلاقات العراقية - الإيرانية في خِضم ما تشهده المنطقة حاليًا من تحدّيات ومخاطر كبرى جراء الحرب العدوانية الأميركية - الصهيونية على إيران.
ومثلما كانت للإيرانيين مواقف إيجابية مشرِّفة مع العراق في العديد من المحطات والمنعطفات التي واجهها طيلة 23 عامًا من عُمْر تجربته السياسية الديمقراطية، فإنّ العراقيين سجَّلوا مواقف مماثلة مع ايران خلال الحرب العدوانية الجارية حاليًا، وكذلك خلال حرب الـ12 يومًا في حزيران/يونيو 2025.
فَمِن موقف المرجعية الدينية بوجوب تقديم كل أشكال الدعم والإسناد للشعب الإيراني وهو يواجه العدوان الأميركي - الصهيوني، إلى موقف الحكومة العراقية، وإلى مواقف مختلف القوى والكيانات والفاعليات السياسية، ثم إلى مواقف شتّى فئات وشرائح المجتمع العراقي، حيث تجلت كل تلك المواقف وتَبَلْوَرت وتُرْجِمت بأشكال وصور ومظاهر مختلفة تجاوزت الأقوال إلى الأفعال.
وسواء كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحاجة إلى مبادرات الدعم والإسناد السياسي والإعلامي والإنساني أم لم تكن بحاجة إليها، فإنّ الواجب الأخلاقي والديني والعقائدي يقتضي من العراقيين، بل ومن كل المسلمين والأحرار في العالم، أنْ يكون لديهم موقف واضح وصريح وعملي إزاء ما يرتكبه الأميركيون والصهاينة من جرائم بشعة يندى لها جبين الإنسانية، لأنّها طاولت المدارس والجامعات والمستشفيات والمناطق السكنية والمنشآت الخدمية ذات الطابع المدني في العاصمة طهران، ومختلف المدن الإيرانية.
لم تنطلق المواقف العراقية الداعمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية من حسابات وتقديرات مصلحية، بقدر ما استندت إلى مبادئ وثوابت موضوعية، بعيدًا من السياسات البراغماتية النفعية. ولا شك بأنّ هذا ما تعتقد به القيادة الإيرانية وتلمسه، وهو ما تَبيَّن واضحًا بين طيات وثنايا رسائل القائد السيد مجتبى الخامنئي إلى العراقيين.
ولم تتأخَّر طهران في التعبير عمليًا عن الشكر والامتنان لمواقف بغداد، حينما أعلنت عن السماح للسفن وناقلات النفط العراقية بالمرور عبر مضيق هرمز، وهو ما يمكن أنْ يسهم إلى حد كبير في التقليل من الآثار والانعكاسات السلبية للحرب على الاقتصاد العراقي.
ولأنّ هذه الخطوة كانت مهمَّة للغاية، فقد حرص الجانب العراقي على الإشادة بالموقف الايراني، من خلال ما نقله نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، إلى السفير الإيراني آل صادق، خلال لقاء رسمي خاص جمعهما قبل أيام قليلة.
ربما يكون العراق قد تضرَّر بسبب مواقفه الداعمة والمساندة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث إنّ الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني قد اعتبراه، بشكل أو بآخر، إحدى جبهات الإسناد لإيران، وهو ما جعلاهما يستهدفانه، حتى أنّ العشرات من أفراد الحشد الشعبي والتشكيلات العسكرية والأمنية ومن المواطنين المدنيين سقطوا شهداء وجرحى بسبب الهجمات الأميركية والصهيونية.
بَيْد أنّ ذلك لا يعني ولا يبرّر التنصُّل من مواقف الدعم والإسناد، بل على العكس تمامًا، إذ إنّه يُكرِّس ويُرسِّخ المواقف المبدئية في نصرة الحق والانتصار للمظلومين والاقتصاص من الظالمين والمعتدين، وهذا ما يفعله ويتبنّاه العراقيون تجاه جيرانهم وإخوانهم الإيرانيين واللبنانيين، وقبلهم الفلسطينيين.