خاص العهد
كاتب من العراق
قبل بضعة أيام، زار قائد القوات الأميركية السابق في العراق، والمدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، الجنرال ديفيد بترايوس، بغداد وأربيل، والتقى عددًا من كبار الساسة والمسؤولين العراقيين، من بينهم رئيس الجمهورية نزار أميدي، ورئيس الوزراء علي الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن عبد الكريم التميمي، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، ورئيس الإقليم نيجرفان بارزاني.
وارتباطًا بشخصية بترايوس العسكرية والأمنية، والمواقع التي شغلها، وطبيعة علاقته بالرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب وأعضاء بارزين في فريقه الحكومي، وكذلك ارتباطًا بتوقيت الزيارة الذي تزامن مع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي، وضغوطات واشنطن لنزع سلاح الفصائل المسلحة، وحل أو دمج الحشد الشعبي في المؤسسات الأمنية الأخرى، فقد أثير الكثير من اللغط حول تلك الزيارة، وما يمكن أن يكون بترايوس قد حمله إلى بغداد، وما هي المهمة المكلّف بها؟
بترايوس نفسه ادّعى، ضمنًا أو ربما صراحة، بأن زيارته لا تحمل أي طابع رسمي، باعتبار أنه لا يشغل أي منصب حكومي، وأنه جاء إلى العراق بصفته مسؤولًا رئيسيًا في شركة KKR المتخصصة في الاستثمارات العالمية والاستشارات المالية. وكذلك أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيانًا توضيحيًا قالت فيه: "إن ديفيد بترايوس مواطن عادي، لا يشغل أي منصب رسمي ضمن البعثة الأميركية في العراق".
واللافت أن زيارة بترايوس تزامنت مع زيارة غير معلنة للمبعوث الأميركي الخاص إلى العراق، توم براك. وبحسب مصادر وأوساط مطلعة، فإن الهدف الحقيقي من هذه التحركات هو تشديد الضغط على رئيس الوزراء العراقي الجديد، من أجل أن يتخذ خطوات عملية سريعة لتحجيم نفوذ وهيمنة الفصائل المسلحة، التي تتبنى نهج المقاومة وترتبط بعلاقات إيجابية جيدة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وتؤكد المصادر أن الجنرال بترايوس، الذي دامت زيارته للعراق خمسة أيام، عقد سلسلة اجتماعات تمحورت حول إصلاح المؤسسة العسكرية، وإنهاء الصيغة الحالية للحشد الشعبي، والعمل على دمج عناصره في المؤسسات الأمنية الأخرى.
ويعتقد البعض أن بترايوس لم يكن بعيدًا عن قرار الحكومة العراقية بإرسال مبعوثين إلى كل من السعودية والإمارات للبحث في حقيقة الهجمات التي تعرضت لها هاتان الدولتان بواسطة طائرات مسيّرة، قيل إنها انطلقت من الأراضي العراقية.
والأمر المهم أن مهمة القائد السابق للقوات الأميركية في العراق، وصاحب فكرة مشروع إنشاء مجالس الصحوات لمواجهة تنظيم القاعدة أواخر عام 2006، لم تبدأ مع زيارته الأخيرة للعراق، وإنما انطلقت عبر زيارات سابقة له، في آذار/مارس من العام الماضي، ثم في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه.
ورغم علاقاته الواسعة والمتشعبة مع مختلف القوى والشخصيات السياسية والأمنية والعسكرية والعشائرية العراقية، إلا أنه لم ينجح في تحقيق أي خطوات إيجابية ملموسة في المهمة المكلّف بها، ألا وهي نزع سلاح فصائل المقاومة ودمج الحشد الشعبي.
ويتمثل الهدف الأميركي الحقيقي من وراء حل الحشد الشعبي بإفراغ العراق من أحد عناصر قوته الأمنية، التي واجهت تنظيم "داعش" الإرهابي بشجاعة وحزم، ونجحت، مع مفاصل أمنية وعسكرية أخرى، في إلحاق الهزيمة به، بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من اجتياحه مدينة الموصل ومدنًا عراقية أخرى.
ويدرك كثيرون أن التحرك الأميركي في العراق ضد الحشد الشعبي وفصائل المقاومة يأتي مكملًا للتحرك المماثل في لبنان، الذي يراد منه القضاء على "حزب الله" وتمكين الكيان الصهيوني من فرض وجوده في جنوب لبنان. كذلك يأتي ذلك التحرك مكملًا لأهداف الحرب الأميركية-"الإسرائيلية" ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي توقفت مؤقتًا بعد أربعين يومًا من اندلاعها، لكنها لم تضع أوزارها بالكامل حتى الآن.
وتؤكد مجمل المؤشرات والمعطيات أن بترايوس، وبعد أن فشل في تحقيق أي اختراق، كتب تقريرًا مفصلًا للبيت الأبيض عن تقييماته للواقع العراقي، وتحديدًا في ما يتعلق بالمهمة التي كُلّف بها، حيث يُفترض أن يستفيد منه ترامب حين يقرر خطواته المقبلة بشأن العراق، لا سيما عندما يلتقي رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي من المتوقع أن يزور واشنطن بعد انفراج الأزمة بين أميركا وإيران.
لكن، في كل الأحوال، لا بد من التأكيد على حقيقة أن حل الحشد الشعبي أو دمجه مع مؤسسات أمنية أخرى، إذا لم يكن أمرًا مستحيلًا، فتقف أمامه مصاعب ومعوقات وعراقيل تتمثل أساسًا بمواقف سياسية وبرلمانية وشعبية واسعة، لا يمكن لترامب أو غيره تجاهلها أو القفز فوقها.
وما أخفق فيه ساسة أميركيون كبار، فلن يفلح، بلا شك، في تحقيقه الجنرال الذي استقال من رئاسة المخابرات الأميركية مرغمًا بعد فضيحة تسريب وثائق ومعلومات أمنية حساسة لعشيقته وكاتبة سيرته الذاتية، الضابطة السابقة في الجيش الأميركي، باولا برودويل!