خاص العهد
لم يكن يومًا عاديًا ذاك الذي مر على بلدات البقاع الغربي، بل بدا كأنّه اختبارٌ قاسٍ لصلابة الناس قبل حجارة بيوتهم.
غاراتٌ متلاحقة تنقّلت من بلدة إلى أخرى، ترسم جغرافيا جديدة من الدمار، وتستهدف، بوضوحٍ لا لبس فيه، البيئة المدنية بكل تفاصيلها. لم يكن القصف عشوائيًا بقدر ما حمل ملامح سياسة ضغطٍ ممنهجة، تحاول أن تُحوّل الألم إلى وسيلة ردع، وأن تجعل من الخسارة اليومية أداة لتغيير المواقف.
في مشغرة، تكثّف المشهد إلى أقصى درجاته. حيٌّ سكنيّ كاد يُمحى، منازل سقطت فوق ذكرياتها، ومؤسسات أُحرقت بما تحمله من تعب سنوات. لكن ما بدا لافتًا، لم يكن فقط حجم الدمار، بل طبيعة الخطاب الذي خرج من بين الركام. الأهالي، في كلماتهم، لم يتحدثوا بلغة الضحية، بل بلغة التحدّي، في انعكاس واضح لتحوّل الوعي الجمعي من حالة الصدمة إلى حالة المواجهة النفسية. هنا، لا يُقاس الحدث فقط بما خلّفه من خسائر، بل بما أنتجه من مواقف.
المشهد ذاته تكرّر في سحمر، لكن بطبعة مختلفة. استهداف منطقة صناعية، تحتوي على مواد قابلة للاشتعال كالإطارات والزيوت، لم يكن تفصيلًا عابًرا، بل أفضى إلى مضاعفة الخسائر، وخلق حالة من الفوضى البيئية والنارية، ما يشير إلى إدراك مسبق لطبيعة الأهداف وتأثيرها. هذا النمط من الاستهداف يفتح باب التساؤل حول الرسائل الميدانية: هل الهدف إلحاق الضرر فقط، أم توسيع دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد المحلي والقدرة على التعافي السريع؟
أما في يحمر وبرغز والقطراني والسريرة، فقد بدا واضحًا أن رقعة النار تتّسع ضمن سياق تصعيدي شامل، لا يكتفي بضرب نقطة محددة، بل يسعى إلى خلق حالة إنهاك جغرافي ونفسي متكاملة. ومع سقوط شهيدين ووقوع عدد من الجرحى، يتكرّس مشهد الاستهداف المباشر للأفراد، في موازاة استهداف البنية التحتية.
في هذا السياق، يستحضر رئيس بلدية يحمر قاسم حسن ذاكرة البلدة، استحضار محطات سابقة من الاعتداءات، من العام 1985 إلى 2006، هو تأكيد على نمط متكرر من الاستهداف، يقابله نمط ثابت من بيئة المقاومة، قائلًا: "الرهان على تفكيك البيئة الاجتماعية عبر الضغط الميداني لم ينجح تاريخيًا، ولن ينجح اليوم".
ما يجري في البقاع الغربي يمكن قراءته ضمن معادلة أوسع: تصعيد عسكري يقابله تماسك اجتماعي، وضغط ميداني يقابله تمسّك بالخيارات. وبين هذين المسارين، تتشكّل دينامية صراع لا تُحسم فقط بالقوة النارية، بل بقدرة كل طرف على الصمود والاستمرار.
بين ركام المنازل وحرائق الحقول، تتجلى الصورة في البقاع الغربي بمشهد الإرادة الصلبة والقوية. عدوانٌ يحاول فرض معادلاته بالقوة، وأهالٍ يراكمون في المقابل سردية صمود تتجدد مع كل ضربة. في هذه المعادلة، قد تتغيّر الجغرافيا تحت وطأة النار، لكن ما لم يتغيّر ولن يتغيير، هو ذلك الإصرار العميق على البقاء، وعلى إعادة البناء، وعلى الرهان على المجاهدين والمقاومين الشرفاء، مهما طال الزمن.