مقالات مختارة
ابراهيم الأمين- صحيفة الأخبار
فيما كان الجميع منشغلاً بمحاولة الإحاطة بما ارتكبه العدو خلال نصف ساعة من الجنون الدموي، بدأت جهات عربية وغربية في لبنان، سريعاً، إجراء اتصالات مُكثّفة مع المعنيين في القطاع الإنساني، والتواصل المباشر مع إدارات المستشفيات، ومع مسؤولين في وزارة الصحة، وآخرين أمنيين. والسؤال واحد: من الذي استهدفته إسرائيل في هذه الجولة المجنونة من الغارات؟
وبمعزل عن أنّ هذه الجهات لم تكن غافلة عن حجم الخسائر البشرية الهائل في صفوف المدنيين، فإنّ جوهر الاستفسارات انصبّ على فهم طبيعة العملية وأهدافها الفعلية.
ساعات ثقيلة مرّت قبل أن تبدأ الصورة بالاتضاح بعد منتصف ليل الأربعاء: أكثر من 95% من الضحايا هم من المدنيين، وغالبية كبيرة منهم لا تربطهم أي علاقة بحزب الله. وحتى من سقطوا ممّن يُصنَّفون ضمن «البيئة اللصيقة» كانوا قلّة. وعندها، بدا واضحاً أنّ العدو كان يسعى، من خلال هذه الحملة، إلى استهداف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، وعدد من القيادات السياسية والعسكرية.
مؤشّرات الفشل المهني لدى العدو بدأت منذ أشهر، حين أصاب الغرور معظم المسؤولين الأمنيين والعسكريين في إسرائيل، ومن بينهم هتلر تل أبيب المهووس بالقتل.
ويروي مطّلعون أنّه، لدى زيارة موفد أميركي لبنيامين نتنياهو لسؤاله عن فرص التقدّم في مسار إنهاء الأزمة في لبنان، أجاب بكثير من الغطرسة: «هؤلاء ليسوا موضع اهتمامي، لا المسؤولون في الدولة ولا غيرهم». وعندما سأله الموفد عن حزب الله، ابتسم نتنياهو، ونهض مشيراً إلى الجيب الصغير لبنطاله، قائلاً: «إنهم هنا».
حين أعلن حزب الله انخراطه في الحرب ضد العدو عقب العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، سارع كل قادة العدو إلى التباهي بالقول إن الحزب «وقع في الفخ». كانت إسرائيل تتصرّف على قاعدة أنها تمسك بكل الأوراق، وأن الحزب لم يُردع فحسب، بل جرى سحقه. وحتى المستوى العسكري، الذي كانت له تحفّظات على المبالغة في التفاؤل، لم يكن يتوقّع أن تتطلب مهمة القضاء على الحزب جهداً كبيراً.
لكن، خلال أيام قليلة، تبدّل المشهد، وارتفع الصراخ لدى المستوى العسكري في جيش الاحتلال، ولم تنحصر الصدمة بسكان مستوطنات الشمال، بل امتدّت إلى الضباط العاملين في تلك الجبهة. وسرعان ما تحوّلت الأنظار، دفعة واحدة، نحو المؤسسة الأمنية، مع سؤال ضاغط: «ماذا كنتم تفعلون؟».
في هذه الأثناء، كان رجال المقاومة ينفّذون خطة بسيطة، أُعدّت على مهل واستلزمت وقتاً طويلاً وجهوداً هائلة، شملت واحدة من أوسع عمليات التضليل التي أربكت العدو، وتطلّبت مراراً من قيادة الحزب التضحية بماء الوجه.
ما فعله حزب الله، ببساطة، تمثّل في إعادة تنظيم داخلية شاملة، وإجراء جردة دقيقة لكل القدرات والإمكانات، وترميم ما تضرّر خلال الحرب السابقة، وإعادة بناء هيكل عسكري مختلف عمّا كان سائداً خلال العقدين الماضيين.
ولم تقم الخطة على التخلّي عن أسلحة أو قدرات أو كوادر بشرية، بل على تطوير نمط إدارة مختلف للنيران، وهيكلية جديدة لوحدات المقاومة، تتيح تقليل قابلية رصدها خلال مرحلة الإعداد، وتعقّد عمليات ملاحقتها خلال الحرب. واعتمدت هذه المقاربة قواعد صارمة، لا مكان فيها للمكابرة أو لاستعادة صورة التفوّق أو عقدة الانتقام، بل انصبّت على هدف أساسي: توجيه ضربات مؤلمة إلى جيش الاحتلال، وإعادة زرع الخوف في بيئة المستوطنين، وكسر سردية النصر التي حاول العدو ترسيخها خلال عام ونصف عام.
مع مرور الوقت، بدأت الدوائر الغربية، ولا سيما في الولايات المتحدة، تراقب المشهد في لبنان بقلق متزايد. لم يقتصر اهتمام المهنيين في المؤسسات العسكرية والأمنية الأميركية على الجبهة الإيرانية، رغم أولويتها، بل عمدوا، مع حلفاء لهم، إلى التدقيق في تقديرات العدو، وفحص الثغرات في سرديته بشأن حزب الله.
وهذا ما انعكس بوضوح في الأسبوع الثالث من الحرب، مع تصاعد الاتصالات الأميركية مع قيادات العدو بشأن جبهة لبنان. وفي واشنطن، لم يكن أحد يتوقّع أن يعترف نتنياهو بالفشل، لكنّ بعض الدوائر تعاملت مع تعنّته وفق قاعدة «دعه يفشل أكثر». ومع منتصف الأسبوع الرابع من الحرب، حُسم الأمر داخل تلك الأوساط: لقد فشلوا!
الخلاصة الفعلية التي توصّل إليها الغربيون كانت واضحة على الأرض. فقيادة العدو في الشمال، رغم الحشد الكبير للقوات قبالة حزب الله، أبلغت المستوى السياسي بأن أيّ تقدّم ميداني تترتّب عليه كلفة أعلى بكثير من التقديرات الموضوعة سلفاً، ما يستدعي إعادة تعديل خطط العمل، ليس فقط على مستوى الأهداف العملياتية، بل أيضاً على مستوى تحديد الأهداف السياسية للحرب نفسها.
ومع كل الضغط الذي مارسه نتنياهو وفريقه على الجيش والمؤسسة الأمنية، تبيّن أن بناء «بنك أهداف» نوعي جديد لم يكن أمراً سهلاً، وأن نتائج شهر من العمليات لم تُشكِّل أي عائق فعلي أمام برامج عمل حزب الله، إذ فوجئت قوات الاحتلال بقدرة المقاومة ليس فقط على الاستمرار في القصف بوتيرة مدروسة، بل أيضاً على التحرّك في مختلف القطاعات بمرونة لافتة.
وأظهرت التقارير الواردة من ميادين المواجهة، في مختلف المحاور، سلسلة من المفاجآت التكتيكية لم يكن العدو يتوقّع أن يتمكّن حزب الله من تنفيذها. وما لم يُصرِّح به العدو، وربّما لن يصرّح به، هو الحقيقة الأكثر قسوة: لم ندمّر القدرات في الحرب السابقة، بل وجّهنا ضربة كبيرة إلى منظومة إدارة النيران لدى حزب الله. وما إن استعاد الحزب هذه القدرة على الإدارة، حتى عادت إمكاناته إلى الظهور بما يتناسب مع متطلّبات المعركة.
خلال الأيام الأربعة الأخيرة التي سبقت الإعلان عن هدنة الأسبوعين، كانت إسرائيل تدرك أن لبنان يشكّل بنداً رئيسياً على جدول المفاوضات. لذلك كانت أولويتها إفشال أي تسوية أميركية - إقليمية، بالتوازي مع الاستعداد لاحتمال تصعيد أشدّ قسوة في المواجهة مع إيران. وفي هذا السياق، لم تكن تعتبر أن عليها صرف جهد إضافي على الجبهة اللبنانية، بعدما ترسّخت لديها قناعة بأن توجيه ضربة حاسمة إلى حزب الله مستحيل، وأن المعالجة، من وجهة نظرها، تمرّ عبر استهداف إيران أولاً، على قاعدة أن أي تراجع إيراني سينعكس تلقائياً على وضع الحزب.
لكنّ الحقيقة التي لا تعجب كثيرين، هي أن إدارة دونالد ترامب، وكل فريقه العسكري والأمني والسياسي، وجدوا أنفسهم أمام استحقاق غير محسوب ضمن السيناريوات المطروحة. فالحرب فشلت في تحقيق هدفها في إسقاط النظام وكسره، بل أفضت إلى انتقال التداعيات من مستوى الخسائر العسكرية المباشرة إلى مستوى تهديدات أوسع وأكثر تعقيداً، وقد تكون الأولى من نوعها، تطاول جزءاً أساسياً من الدورة الاقتصادية العالمية.
أصاب الغرور العدو بكل مستوياته، مستفيداً من هزيمة نفسية لدى قوى وشعوب كثيرة، لكن ما إن بدأت الحرب حتى اكتشف الوقائع الحقيقية ولم يجد سوى القتل والتدمير لتغطية الفشل.
والأكثر إثارة لقلق واشنطن، كان شعورها بعد شهر من الحرب بأنها بدأت تفقد هامش حضورها المباشر في الأراضي العربية، ووجد الأميركيون أنفسهم مضطرين إلى إجراء أكبر عملية إخلاء للقوات والدبلوماسييين والمستشارين في غالبية دول المنطقة، وفي لحظة انفعال، نُقل عن مسؤول أميركي قوله: «لقد أخرجونا من العراق».
ومع تداخل مسارات التصعيد، أخذ المشهد يتجه نحو مستوى جديد من المواجهة. ولم يكن الانخراط اليمني في الحرب، في نظر صنّاع القرار، تطوراً محدود الأثر، بل يتجاوز استهداف تل أبيب إلى أهداف أكبر بكثير، من شأنها تغيير المشهد العسكري الاستراتيجي في منطقة الخليج. وأيقن الأميركيون سريعاً بأنهم على وشك الدخول في فخّ يُطبِق عليهم من شرق الجزيرة العربية وغربها، وأن تحكّم إيران بمضيق هرمز وتقييد الحركة فيه ليس شيئاً إزاء ما هو مُعدّ ليس لباب المندب فقط، بل لكل الملاحة في البحر الأحمر وما هو أبعد من ذلك.
في هذه اللحظة، بات على الأميركيين اتخاذ القرار الحاسم. وعندما هدّد دونالد ترامب بتوجيه ضربة واسعة ضد إيران، لم يكن صدى التهديد في إيران بالقدر الذي كان عليه لدى حلفاء واشنطن في المنطقة، باستثناء إسرائيل. وخلال الساعات الـ36 التي سبقت الإعلان عن هدنة الأسبوعين، شهدت المنطقة حركة دبلوماسية مكثّفة وغير مسبوقة، قادها حلفاء الولايات المتحدة في دول الخليج، إلى جانب تركيا ومصر وباكستان وغيرها، نحو كل من طهران وواشنطن.
في هذه اللحظة، شعر نتنياهو بأن كلفة الخسارة ستكون نصيبه من التسوية. ورغم أنه واصل الضغط العسكري خلال اليومين الأخيرين قبل إعلان الهدنة، لإيلام إيران على أمل إحداث تأثير ميداني مباشر، إلا أن نتنياهو الذي يعرف تماماً شخصية الرئيس الأميركي ويدرك طبيعة المداولات داخل البيت الأبيض، وتحوّلات مواقف القيادات العسكرية والأمنية الأميركية، توصّل إلى قناعة بأن عليه التحرك، مع معرفته بأن تعطيل مسار الهدنة بات أمراً غير ممكن.
أمام هذا الواقع، لم يجد سوى العودة إلى المربّع الذي يمكنه أن يُظهِر فيه قدرات كبيرة، وصعّد من ضغوطه على الإدارة الأميركية بهدف عدم شمول لبنان بالهدنة، وهو ما حصل عليه بشكل أو بآخر، بسبب الغموض الذي شاب التصريحات الأوّلية حول نطاق وقف إطلاق النار من الجانب الأميركي. وعندما طلبت إيران توضيحاً من الوسيط الباكستاني، خرج رئيس الوزراء الباكستاني بتصريح يفيد بأن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، وهو ما لم يعقّب عليه الأميركيون، تاركين الأمور مفتوحة على احتمالات متعدّدة، لأنهم لم يكونوا قد أقنعوا إسرائيل بعد بإدراج الجبهة اللبنانية ضمن الاتفاق.
في السردية الإسرائيلية التي تلت الإعلان الأميركي، غاب عن بعض المعلّقين أن رئيس حكومة العدو اختفى عن المشهد لأكثر من عشرين ساعة. وخلال هذه الفترة، كان يسعى إلى انتزاع موقف أميركي علني بعدم شمول لبنان بالترتيبات، مع إبداء تحفّظات على ما أعلنته إيران بشأن مسوّدة التفاهمات المُرتقبة، فيما تركّز جهده الأبرز على دفع جيش الاحتلال إلى إعداد حملة عسكرية قاسية ضد لبنان.
خلال هذه الساعات العشرين، كانت إسرائيل أمام مفترق قرار حاسم: إمّا توسيع العملية البرية عبر دفع وحدات الجيش إلى مواجهات أوسع داخل الأراضي اللبنانية المحتلة، أو العودة إلى الألعاب الاستعراضية. ولم يحتج نتنياهو إلى كثير من الوقت ليقتنع بأن الجيش غير جاهز لمغامرة في البر، بعدما طلبت قيادته مزيداً من الوقت والموارد البشرية واللوجستية للتحضير لأي حملة واسعة.
في المقابل، كانت الأجهزة الأمنية تعمل على إعداد بنك أهداف جديد، إلا أن جزءاً كبيراً منه كان يطرح إشكاليات مهنية وسياسية داخل المؤسسة نفسها، إلى حدّ أن بعض التقديرات الداخلية اعتبرته غير قابل للتبرير. لكنّ المجنون كان يحتاج الى مشهدية كبيرة تعبّر عن غضبه من كل ما حصل خلال الشهر الماضي، وتعكس رغبته في الانتقام من حزب الله جراء ما أنزله بقواته من جهة، وبأكثر من 250 ألف مستوطن أبلغوه مباشرة، وأبلغوا قادته، أنهم لا يثقون به، ولا بالجيش، وسيخالفون التعليمات، وسيغادرون نحو الوسط والجنوب.
كما في كل مرة، تكرّر إسرائيل نفسها. لا بضاعة جديدة لديها سوى استخدام القوة بأبشع صورها، من دون اكتراثٍ بحياة أي إنسان لا تسري دماء يهودية في شرايينه، فكان «الأربعاء الأسود» غارات عنيفة وقصفاً عشوائياً، بدا هدفه الأساسي فرض مناخ من الترويع، علّه يعوّض فشل الأهداف الميدانية.
أمس، لم تعكس ردود الفعل أي تحوّل جوهري في المنطق الذي نعرفه منذ نشوء الكيان. ومع ذلك، وبعيداً عن أوجه القصور الخطيرة لدى أهل السلطة في لبنان، وبمعزل عن الأحقاد المخيفة لدى فئة من اللبنانيين ضد أبناء جلدتها، وعن الكيدية والانقسام، يبقى من المفيد إعادة قراءة المشهد بقدر من الواقعية والهدوء، بعيداً عن الانفعال، وخلاصته:
في هذا الإطار، تخوض المقاومة معركة ذات طابع مصيري، تفرض بالضرورة شكلاً مختلفاً من القتال، وتفترض تحمّل كل أنواع الضغوط والخسائر. وهي معركة تتطلّب المثابرة، وفهماً دقيقاً للوقائع المحيطة، والصبر والثبات وحسن الإدارة، ولن يمر وقت طويل قبل أن يدرك كل أعداء المقاومة أن إسرائيل وأميركا ليستا قدراً محتوماً!