اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مشغرة.. وجعٌ واحد وصمودٌ لا ينكسر

مقالات

انكسار الهيمنة وولادة الشرق الجديد: قراءة في هزيمة استراتيجية
مقالات

انكسار الهيمنة وولادة الشرق الجديد: قراءة في هزيمة استراتيجية

187

تأتي التطورات المتلاحقة في نيسان 2026 لتضع المنطقة أمام منعطف تاريخي، خاصةً بعد فشل المفاوضات الأميركية في إسلام آباد، حيث سعى الوفد الأميركي إلى فرض شروط تعجيزية على إيران، قوبلت برفض إيراني حازم حال دون التنازل عن الثوابت الوطنية، لا سيما فيما يتعلق بمكانة مضيق هرمز كأداة سيادية واقتصادية. هذا الانسداد الدبلوماسي لم يكن سوى الشرارة التي فجّرت جملةً من التحولات الجيوسياسية، حيث تتداخل المعطيات الواردة من كبرى المؤسسات الصحفية والبحثية الغربية لترسم صورةً قاتمةً لمستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، مشيرةً إلى تحول جذري في موازين القوى يتجاوز الصراع العسكري المباشر ليصل إلى إعادة صياغة القواعد الجيوسياسية والاقتصادية الحاكمة للمنطقة، ويمكن استعراض هذا التقدير من خلال تفكيك الأزمات المتلاحقة التي عصفت باستراتيجية واشنطن.

بدأت ملامح هذا التحول مع التقرير الصادر عن صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times) في أوائل نيسان 2026، والذي كشف عن تناقض صارخ بين الخطاب العلني الحاد للرئيس دونالد ترامب، وبين المسارات السرية التي سلكتها إدارته، إذ أكدت التقارير اعتماد واشنطن على باكستان، وتحديدًا قائد الجيش عاصم منير، كقناة خلفية للتواصل مع طهران. وقد جاء هذا التحول نتيجة ضغوط حقيقية تمثلت في قفزة هائلة في أسعار النفط العالمية إثر التوتر في مضيق هرمز، ما هدد الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر، وأجبر الإدارة على البحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه أمام صمود النظام الإيراني وعدم تراجعه رغم التهديدات العسكرية، لتنتهي هذه التحركات بهدنة مؤقتة لمدة أسبوعين تهدف لإعادة فتح المضيق مقابل تخفيف جزئي للضغط العسكري.

في ذات السياق، قدّم البروفيسور جون ميرشايمر رؤيةً استراتيجيةً بالغة الأهمية خلال مشاركته في المؤتمر السنوي الحادي عشر للمركز العربي في واشنطن بتاريخ 10 نيسان/أبريل  2026، حيث أشار إلى أن واشنطن وصلت إلى حالة من اليأس الدبلوماسي لإدراكها أن مفتاح التهدئة يبدأ بوقف الهجمات "الإسرائيلية" على لبنان، وهو ما ترفضه "تل أبيب" سعيًا لتقويض فرص التفاوض. ويرى ميرشايمر أن إيران باتت في كرسي القيادة بفضل قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي، ما دفع إدارة ترامب لقبول خطة النقاط العشر الإيرانية كقاعدة للتفاوض، واعتبر ميرشايمر أن الخيار العسكري الأميركي بات غير واقعي نظرًا لمحدودية القوات البرية وتضرر القواعد الرئيسية، مؤكدًا أن الاستسلام للواقع الميداني هو المخرج الوحيد لتفادي كارثة شاملة، خاصةً بعد أن تحولت "إسرائيل" من ذراع استراتيجية إلى عبء ثقيل يرهق السياسة الأميركية ويسمّم علاقتها بالرأي العام.

من جانبه، عبّر توماس فريدمان في مقال تحليلي بصحيفة نيويورك تايمز مطلع نيسان 2026 عن قلقه العميق من غياب الرؤية الاستراتيجية لدى إدارة ترامب، واصفًا الفريق المسؤول عن السياسة الخارجية بأنه يفتقر للكفاءة اللازمة لإدارة أزمة بهذا الحجم، واعتبر فريدمان أن إيران قررت كسر جدار الخوف والهروب إلى الأمام باستخدام كامل أوراقها الإقليمية، ما وضع الولايات المتحدة أمام واقع جيوسياسي جديد لم تكن مستعدة له، وهو ما يعد دليلًا قاطعًا على فشل سياسة الضغوط القصوى وولادة توازنات قوى تتراجع فيها الهيمنة الأميركية لصالح قوى إقليمية وتكنولوجية جديدة تفرض شروطها في الميدان.

اقتصاديًا، حققت إيران انتصارًا استراتيجيًا كبيرًا تمثل في فرض رسوم عبور بمضيق هرمز، حيث تشير التقديرات التي أوردها الخبير الاقتصادي يانيس فاروفاكيس في مقابلة بتاريخ 11 نيسان/أبريل 2026  إلى أن هذه الرسوم ستدر على طهران مبلغًا يتراوح بين 70 و90 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل ربع الاقتصاد الإيراني، وقد نالت طهران هذا الامتياز بموافقة دول الإقليم، ما منحها مكانةً استثنائيةً رغم العقوبات. واعتبر فاروفاكيس أن هذه السابقة تغير قواعد النظام العالمي وقانون البحار، وتنهي رسميًا الطموحات الأميركية بربط المنطقة بـ"إسرائيل" عبر تحالفات تهمّش الحق الفلسطيني، بينما تكتفي الصين بمراقبة تراجع الهيمنة الأميركية وملء الفراغ الدبلوماسي عبر رعاية اتفاقات تاريخية.

تعددت القراءات البحثية التي وصفت مسار الصراع بأنه هزيمة استراتيجية، حيث اعتبر معهد ستيمسون عبر تحليل للزميلة سينيور كيلي غريكو في نيسان 2026 أن نجاح طهران في فرض نفسها كحارس للمضيق حتى في ظل وقف إطلاق النار هو النكسة الأكثر أهمية لواشنطن، كما أكد معهد كاتو في دراسة للباحث جون هوفمان نشرت بين كانون الثاني وآذار 2026 أن غياب الأهداف النهائية جعل القوة العسكرية غايةً في حد ذاتها ومنفصلةً عن النتائج السياسية، ما أدى إلى كارثة لأن الضربات لم تؤدِّ لانهيار النظام بل عززت قدرته على الاستنزاف. وأضاف موقع ريسبونسيبل ستيت كرافت في تحليل بتاريخ 3 نيسان/ أبريل 2026 أن الانتشار العسكري الأميركي تحول من أداة ردع إلى هدف سهل للمسيرات الإيرانية، وهو ما أثبت أن الوجود التقليدي لم يعد قادرًا على فرض الأمن الإقليمي.

لخصت مجلة نيو ستيتسمان البريطانية المشهد عبر غلاف تاريخي حمل عنوان "السقوط"، وكيف دمّر ترامب الإمبراطورية الأميركية، حيث طرحت المجلة أن الحرب لم تكسر طهران بل حولتها إلى القوة الحاسمة في اقتصاد النفط العالمي، واصفةً قرارات ترامب بأنها وسواس تكراري لإعادة تخيل الماضي، وأكدت أن العالم بات بحاجة لعلم النفس لفهم ما يحدث أكثر من حاجته للجغرافيا السياسية، إذ تحولت مغامرة ترامب إلى معول هدم لهيبة أميركا كقوة عالمية وحيدة، وفتحت الباب أمام نظام عالمي جديد لن تكون واشنطن فيه هي الآمر الناهي، خاصةً مع احتراق سلاسل الإمداد وترنح اقتصاد الدول الكبرى وفقدان الولايات المتحدة لحلفائها التاريخيين.

عسكريًا، يرى الخبراء أن زمن التحالف العضوي بين ضفتي الأطلسي قد انتهى، حيث يزدري ترامب القدرات الأوروبية بينما يطلب دعمهم في المضيق، ما يعكس تناقضًا ويأسًا أميركيًا. وأكدت دراسة لمجلة سمول وورز جورنال بتاريخ 2026-04-03 أن الحرب كانت خيارًا معيبًا استراتيجيًا يفتقر لسيناريوهات الخروج الآمن، وأن العجز عن تحويل السيطرة الميدانية إلى إغلاق سياسي هو فشل بنيوي وضع واشنطن في معضلة خاسرة، حيث أصبحت إيران أكثر قدرةً على فرض شروطها بعد امتصاص الضربة الأولى.

إن هذا التقدير المبني على معطيات نيسان 2026 يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة تواجه لحظة الحقيقة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد بإمكان القوة العسكرية الفائقة تعويض غياب الرؤية السياسية أو مواجهة التكتيكات الهجينة التي اتبعتها طهران، والنتيجة الحتمية هي إعادة صياغة التحالفات الإقليمية بناءً على القوة الميدانية والواقع الاقتصادي الجديد، بعيدًا عن الوعود الأميركية التي اهتزت مصداقيتها في ذروة الصراع.

الكلمات المفتاحية
مشاركة