مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
ليس "يوم الأسير الفلسطيني" مجرد مناسبة تضامنية هامشية، بل هو، في جوهره، لحظة كاشفة لبنية كاملة من السيطرة تُمارسها قوة احتلال عبر واحدة من أكثر أدواتها فعالية: السجن. فحين يُزجّ بعشرات الآلاف من البشر في منظومة اعتقال ممتدة منذ عام 1967، لا يعود الأمر متعلقًا بإجراءات أمنية أو استثنائية، بل يتحول إلى سياسة ممنهجة لإدارة مجتمعٍ كامل، وضبطه، وإعادة تشكيل وعيه السياسي والاجتماعي.
منذ أن أقر المجلس الوطني الفلسطيني يوم 17 أبريل/نيسان 1974 يومًا للأسرى، لم تكن الغاية مجرد تخليد ذكرى، بل تثبيت حقيقة مفادها أن الاعتقال ليس حالة طارئة، بل حالة بنيوية ملازمة للاحتلال. ومع اعتماد الجامعة العربية لهذا اليوم عام 2008، بدا وكأن القضية تكتسب بعدًا إقليميًا، غير أن ذلك لم يترجم إلى فعل سياسي قادر على التأثير في الواقع القائم.
الاعتقال كسياسة شاملة: أرقام تكشف البنية
الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات، بل مفاتيح لفهم طبيعة النظام. أكثر من مليون حالة اعتقال منذ عام 1967 تشير إلى أن الاعتقال لم يكن استثناءً، بل ممارسة ممنهجة. وجود أكثر من 9600 أسير في الوقت الراهن، بينهم نساء وأطفال وصحفيون ونواب، يكشف أن الاستهداف يتجاوز الأفراد ليطال المجتمع بأكمله.
هذه الشمولية ليست عرضية. حين يُعتقل الطلبة، والصحفيون، والأطباء، والمهندسون، والنواب، فإن الرسالة لا تُوجَّه فقط إلى هؤلاء، بل إلى البيئة التي ينتمون إليها. الهدف هنا ليس فقط تعطيل الأفراد، بل إضعاف البنية الاجتماعية والسياسية التي قد تنتج مقاومة أو خطابًا معارضًا.
تتضح هذه الفكرة أكثر في ظاهرة الاعتقال الإداري، حيث يُحتجز نحو 3500 أسير دون تهمة أو محاكمة. هذا الشكل من الاعتقال لا يسعى إلى تحقيق العدالة، بل إلى إنتاج حالة دائمة من عدم اليقين، حيث يصبح أي فرد عرضة للاعتقال في أي لحظة، دون تفسير. في هذه الحالة، يتحول القانون من أداة تنظيم إلى أداة غموض مقصود، يُستخدم لترسيخ السيطرة لا لضبطها.
من السجن إلى المختبر: الجسد الفلسطيني كمساحة للعقاب
داخل السجون، لا يُحتجز الأسرى فقط، بل يُعاد تشكيلهم عبر منظومة من العنف المركب: تعذيب جسدي، إذلال نفسي، وإهمال طبي ممنهج.
ما يُسمى بـ"الجريمة الطبية" ليست عرضًا جانبيًا، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى تحويل الجسد إلى موقع للعقاب. انتشار الأمراض، ومنع العلاج، والحرمان من أبسط مقومات الحياة، كلها أدوات لإعادة تعريف الإنسان الأسير ككائن هش، منزوع القدرة على المقاومة.
لكن هذه الاستراتيجية تفشل في تحقيق هدفها النهائي، إذ يتحول الجسد ذاته إلى أداة مقاومة، كما يظهر في الإضرابات عن الطعام، التي لم تكن مجرد احتجاج، بل إعلانًا سياديًّا عن امتلاك الجسد في مواجهة سلطة تسعى للسيطرة عليه.
سدي تيمان: حين تتحول السجون إلى مناطق خارج القانون
إذا كان النظام الدولي يفترض وجود حد أدنى من الرقابة على أماكن الاحتجاز، فإن بعض "السجون الإسرائيلية"، مثل معتقل سدي تيمان، تمثل خروجًا كاملًا عن هذا الإطار.
هذه المعتقلات لا تعمل فقط خارج القانون الدولي، بل خارج أي تصور قانوني أصلًا. إنها، بتعبير أدق، "مناطق استثناء" حيث يُعلّق القانون، ويُترك الإنسان لمصيره في مواجهة سلطة مطلقة. الشهادات التي تتحدث عن التعذيب، والاعتداءات الجنسية، والإخفاء القسري، لا يمكن قراءتها كحالات فردية، بل كجزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر البنية النفسية والاجتماعية للمعتقلين.
في هذا السياق، تبرز قصة الأسير المحرر محمود أبو الفول بوصفها نموذجًا مكثفًا لما يعيشه آلاف الأسرى. شاب فقد قدمه نتيجة قصف، ثم فقد بصره داخل السجن تحت التعذيب. لم يكن ذلك نتيجة خطأ أو تجاوز، بل نتيجة مسار متكامل من الإهمال والعنف المتعمد.
قصة محمود تكشف بوضوح كيف يتحول الأسير من إنسان يعاني من إصابة إلى هدف مباشر لمنظومة تعذيب لا تعترف بضعفه، بل تستغله. من حرمانه من العلاج، إلى تعذيبه بالكهرباء، إلى الاستهزاء الطبي بحالته، كلها حلقات في سلسلة تهدف إلى تدمير الإنسان جسديًا ونفسيًا.
لكن المفارقة أن هذه القصة، رغم قسوتها، لا تنتهي عند حدود المأساة الفردية، بل تتحول إلى شهادة إدانة جماعية لنظام كامل.
استهداف الرموز: حين يصبح الأسير خطرًا حتى داخل زنزانته
ولا يقتصر هذا النهج على استهداف الأفراد العاديين، بل يمتد ليطال الرموز السياسية ذاتها. ما يتعرض له مروان البرغوثي داخل السجون، من اعتداءات جسدية متكررة وعزل ممنهج وحرمان من العلاج، يكشف أن الخطر الذي تمثله هذه الشخصيات لا يتراجع باعتقالها، بل يستمر داخل الزنزانة. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى السجن كوسيلة لإخراج الفاعلين من المجال السياسي، بل كفضاء لاستمرار الصراع معهم بوسائل أكثر عنفًا. استهداف البرغوثي، رغم سنوات اعتقاله الطويلة، يعكس إدراكًا عميقًا داخل المؤسسة "الإسرائيلية" بأن الرمزية السياسية قد تكون أكثر تهديدًا من الفعل المباشر، وأن السيطرة على الجسد لا تعني بالضرورة السيطرة على المعنى.
ما بعد 7 أكتوبر: تصعيد في أدوات السيطرة
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت منظومة الاعتقال تصعيدًا نوعيًا، ليس فقط في الأعداد، بل في طبيعة الممارسات. أكثر من 16400 حالة اعتقال في فترة قصيرة، لا تشمل آلاف الحالات في قطاع غزة، تشير إلى انتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة العقاب الجماعي.
في الوقت ذاته، برزت ظاهرة الإخفاء القسري، حيث يُحتجز مئات الأسرى دون الإفصاح عن أماكن وجودهم أو ظروف احتجازهم. هذا النمط من الممارسات لا يهدف فقط إلى السيطرة على الأفراد، بل إلى محوهم من المجال العام، وإلغاء وجودهم القانوني والإنساني.
إضافة إلى ذلك، استُحدثت معسكرات اعتقال جديدة، بعضها سري، تعمل خارج أي رقابة حقيقية. هذه المعسكرات، التي برزت من خلال شهادات الأسرى، تعكس انتقالًا نحو مستويات أكثر قسوة من الضبط، حيث تُمارس الانتهاكات في فضاءات مغلقة لا تخضع حتى للحد الأدنى من المعايير الدولية.
تشريع الإعدام: من إدارة السجن إلى شرعنة القتل
لم يعد التصعيد مقتصرًا على توسيع دائرة الاعتقال أو تشديد ظروفه، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تعريف وظيفة السجن ذاته. فإقرار قانون إعدام الأسرى داخل "الكنيست الإسرائيلي" لا يمكن قراءته كخطوة قانونية تقنية، بل كتحول نوعي في بنية التفكير السياسي، حيث يجري الانتقال من احتجاز الجسد إلى إلغائه.
هذا القانون، الذي دُفع به في لحظة إقليمية مضطربة، يعكس انتقالًا واضحًا من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق "الحسم عبر الإلغاء". فحين تصبح المؤسسة التشريعية أداة لإضفاء الشرعية على القتل، فإن ذلك لا يشير فقط إلى تصعيد في السياسات، بل إلى تفكك الحدود التقليدية بين القانون والعنف.
في هذا السياق، لا يعود السجن فضاءً للضبط أو الردع، بل يتحول إلى مرحلة انتقالية ضمن مسار ينتهي بالتصفية الجسدية. وهو ما يعيد تعريف العلاقة بين الأسير وسجّانه: من علاقة قوة غير متكافئة إلى علاقة وجودية، يصبح فيها البقاء ذاته موضع تهديد قانوني.
الأخطر أن هذا التحول لا يجري في فراغ، بل في بيئة سياسية يدفع بها فاعلون يتبنون خطابًا إقصائيًا صريحًا، حيث لم يعد الحديث يدور حول "أمن" أو "ردع"، بل حول إعادة صياغة الصراع على قاعدة نزع الصفة الإنسانية عن الخصم. وهنا، يغدو القانون نفسه أداة ضمن بنية أوسع من العنف، لا قيدًا عليه.
داخل السجون: هندسة الألم وإعادة تشكيل الإنسان
إذا كان الاعتقال يمثل البنية، فإن ما يجري داخل السجون يمثل آليتها التنفيذية. تشير المعطيات إلى أن نحو 5000 أسير يعانون من أمراض مختلفة، في ظل سياسات متعمدة من الإهمال الطبي. انتشار مرض الجرب، وتحويله إلى أداة تعذيب، ليس حادثًا عرضيًا، بل يعكس استخدام الجسد كساحة للصراع.
إلى جانب ذلك، تتكرر الشهادات حول التعذيب الجسدي والنفسي، والعزل الانفرادي، والحرمان من الزيارات، ومن أبسط مقومات الحياة. هذه الممارسات لا تهدف فقط إلى إلحاق الألم، بل إلى إعادة تشكيل الفرد نفسيًا، عبر كسر إرادته، وإدخاله في حالة من الانهاك المستمر.
الأكثر خطورة هو ما كُشف عنه من انتهاكات جسيمة، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية، خاصة في بعض المعسكرات التي أُنشئت مؤخرًا. هذه الانتهاكات، التي تتم في بيئات مغلقة، تشير إلى غياب كامل للمساءلة، وتحول السجن إلى فضاء خارج القانون.
السجون كامتداد للاستعمار: قراءة بنيوية
لفهم هذه الظاهرة، لا بد من تجاوز القراءة الأخلاقية إلى قراءة بنيوية. السجن هنا ليس مجرد مؤسسة، بل امتداد مباشر لمنظومة استعمارية تسعى إلى السيطرة على الأرض والسكان معًا. في هذا السياق، يصبح الاعتقال وسيلة لإدارة السكان، وليس فقط لمعاقبة الأفراد.
هذا ما يفسر استهداف مختلف الفئات الاجتماعية، واستخدام أدوات مثل الاعتقال الإداري، والإخفاء القسري، والتعذيب. الهدف ليس فقط منع أفعال محددة، بل إعادة تشكيل البيئة التي قد تنتج هذه الأفعال.
من هذا المنظور، يمكن فهم السجون بوصفها مختبرًا لإدارة السيطرة، حيث تُجرّب أدوات مختلفة لضبط المجتمع، من القمع المباشر إلى الإخضاع النفسي.
المقاومة من داخل السجن: إعادة تعريف المعادلة
رغم هذا الواقع، فإن ما يلفت الانتباه هو أن السجن لم ينجح في تحقيق هدفه الكامل. فالحركة الأسيرة الفلسطينية، عبر تاريخها الطويل، نجحت في تحويل السجن من فضاء للسيطرة إلى ساحة للمقاومة.
إضرابات "الأمعاء الخاوية"، التي خاضها الأسرى لعقود، تمثل أحد أبرز أشكال هذه المقاومة. حين يمتنع الأسير عن الطعام، فإنه يستخدم جسده كأداة سياسية، ويعيد تعريف العلاقة مع سجانه. هنا، لا يعود السجين مجرد متلقٍ للعنف، بل فاعلًا يفرض شروطه.
إضرابات مثل إضراب 1992، الذي شاركت فيه مختلف السجون، أو الإضرابات الفردية بعد الـ٢٠١٠ التي خاضها أسرى مثل خضر عدنان، لم تكن مجرد احتجاجات، بل شكلت لحظات مفصلية أعادت تسليط الضوء على قضية الأسرى، وفرضت تنازلات على إدارة السجون.
صفقات التبادل: حدود القوة
تشكل صفقات التبادل بعدًا آخر في هذه المعادلة. الإفراج عن آلاف الأسرى مقابل عدد محدود من الجنود يكشف عن خلل في ميزان القوة التقليدي. فرغم "التفوق العسكري"، تجد "إسرائيل" نفسها مضطرة للتفاوض، والقبول بشروط تفرضها أطراف تمتلك أوراق ضغط محدودة ظاهريًا.
صفقة عام 2011، التي أُفرج فيها عن أكثر من ألف أسير مقابل جندي واحد، أو الصفقات التي تلت أحداث 2023، تعكس أن قيمة الأسير لا تُقاس فقط بوجوده داخل السجن، بل بدوره في المعادلة السياسية الأوسع.
هذه الصفقات تكشف أن السجن، رغم كونه أداة للسيطرة، يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف، حين يُستخدم الأسرى كورقة ضغط في سياق صراع مفتوح.
العجز الدولي: حين تتواطأ البنية مع ذاتها
على المستوى الدولي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فرغم وضوح الانتهاكات، واستمرارها لعقود، فإن الاستجابة بقيت محدودة، وغالبًا ما تقتصر على بيانات الإدانة.
هذا العجز لا يمكن تفسيره فقط بالإهمال، بل يعكس طبيعة النظام الدولي ذاته، الذي يخضع في قراراته لموازين القوة لا لمبادئ العدالة. في هذا السياق، تتحول القوانين الدولية إلى أدوات انتقائية، تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمَل حين تتعارض معها.
في ضوء كل ما سبق، يكتسب "يوم الأسير الفلسطيني" دلالته الحقيقية. فهو ليس مجرد مناسبة رمزية، بل لحظة يُعاد فيها طرح الأسئلة الأساسية: ما معنى العدالة في نظام دولي يسمح باستمرار هذه الانتهاكات؟ وما حدود الخطاب الحقوقي حين لا يُترجم إلى فعل؟
الأهم من ذلك، أن هذا اليوم يكشف عن مفارقة جوهرية: أن شعبًا يخضع لأحد أكثر أنظمة السيطرة تعقيدًا، لا يزال قادرًا على إنتاج أشكال من المقاومة تُحرج هذا النظام، وتكشف تناقضاته.
في النهاية، لا يمكن فهم قضية الأسرى الفلسطينيين بمعزل عن السياق الأوسع للصراع. فالسجون ليست مجرد أماكن احتجاز، بل فضاءات تكشف طبيعة النظام الذي أنتجها. ومع كل يوم أسير، يتجدد هذا الكشف. فالقضية لم تعد فقط قضية آلاف الأفراد خلف القضبان، بل قضية نظام كامل يُختبر في قدرته على تبرير نفسه أمام واقع لا يمكن إخفاؤه.
من خلف القضبان، حيث يُفترض أن تُقمع الأصوات، تستمر حكاية مختلفة: حكاية شعب لا يُهزم بسهولة، بل يعيد إنتاج مقاومته حتى في أكثر الظروف قسوة، ويُبقي، رغم كل شيء، سؤال العدالة مفتوحًا أمام عالم يفضّل غالبًا تجاهله.