مقالات
علي محمد صالحي
قبل الحربين الأخيرتين لأميركا و"إسرائيل" ضد إيران، كانت النظرة الخارجية السائدة للتشكيل السياسي والتكوين الاجتماعي داخل إيران تميّز بين ثلاثة أقسام: المؤيّد، والمعارض، والرمادي. وفي هذه النظرة نفسها، كان يُصوَّر قسم المعارضة للنظام على أنه أكثر عددًا من القسمين الآخرين، وكان يُستدل على أنه في حال نهوض قسم المعارضة، فإن الكتلة الرمادية ستنضم إليه، وسيكون هو المنتصر في ميدان المواجهة مع حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومن الواضح أنه في ظل هذه النظرة، وبدعمٍ من تضامن ترامب، تجرّأت "إسرائيل" في الحرب التي استمرت 12 يومًا على مهاجمة إيران، ثم استحضرت أميركا إلى جانبها في الميدان. ولا شك أن قضايا مثل الاضطرابات التي أعقبت وفاة المرحومة مهسا أميني، وما تلاها من أزمة المعيشة الصعبة في إيران، والاحتجاجات النقابية، قد أنهت الحجة بالنسبة لترامب ونتنياهو بأن الوقت قد حان لهجومٍ ناجح على إيران وإسقاط نظامها السياسي.
انتهت الحرب الأولى التي استمرت 12 يومًا بهدنةٍ هشة، لكن تخطيطات الجانبين الأميركي و"الإسرائيلي" لم تنتهِ. واستؤنف العمل غير المكتمل في الفترة الجديدة من خلال تصفية قيادة النظام الإيراني، والقادة، وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، والعلماء النوويين، والبنى التحتية الإيرانية، لكن النتيجة كانت لا تزال عدم التوفيق في إسقاط النظام السياسي الإيراني واستسلام الإيرانيين. وكانت حصيلة الحرب الجديدة، بطبيعة الحال، كشف خطأ الحسابات الأميركية و"الإسرائيلية" في تفسيرهم للصفوف السياسية والاجتماعية في إيران، وهي صفوف أظهرت أكثر من أي وقتٍ مضى حقيقتها خلال الحرب، كما كشفت عن أبعادٍ جديدةٍ لأخطاء الطرف الآخر في حساباته. وفي هذا السياق، ونتيجةً للحرب المفروضة على إيران، ازداد الميل بشكلٍ لا يوصف لتساقط عناصر من سلّتَي المعارضة والرمادي إلى سلّة المؤيّدين، وتُعدّ التجمعات الليلية الكثيفة والمتواصلة التي قام بها الناس، سواء خلال الحرب الأخيرة أو خلال فترة الهدنة، شاهدةً واضحةً على هذا الادعاء.
في الوقت الذي تحوّل فيه ادعاء ترامب ونتنياهو دعمهما للشعب الإيراني، وخصوصًا في الشهرين الأخيرين، إلى سخريةٍ مرّة لدى الشعب الإيراني، لا يزال ترامب يدّعي أنه يمتلك مؤيّدين في إيران يطلبون منه مهاجمة بلادهم! وهو بالطبع يقابل السؤال عن هوية هؤلاء الأشخاص بالصمت، كما يفضّل الصمت بشأن الهجوم على مدرسة ميناب الذي أدى إلى استشهاد 156 تلميذًا ومعلمًا، وكذلك الهجمات على المستشفيات والجامعات والمراكز العلمية والبحثية والمنازل السكنية وممتلكات الناس، وأخيرًا البنى التحتية الوطنية الإيرانية.
الحقيقة هي أن ترامب ونتنياهو، بغضّ النظر عن الخسائر البشرية والمادية التي ألحقاها بإيران، قدّما، وبغير قصد، خدماتٍ خاصة لإيران، خدمات لم يكن طريق تحقيقها واضحًا إلا في ظل التطورات الأخيرة:
أولًا: إن كلاً من أميركا و"إسرائيل"، بمهاجمتهما إيران، أثبتتا عمليًا وتجريبيًا صدق منطق وحديث قادة إيران على مدى 47 عامًا في عدائهم لواشنطن و"تل أبيب". هذه الأيام، وفي ظروف ما بعد الحرب، قلّما تجد إيرانيًا، خاصة داخل إيران، إلا ويحمل تجاه ترامب ونتنياهو غضبًا وحقدًا وشعورًا بالانتقام.
ثانيًا: يتعلق الأمر بتأكيد دقة استراتيجية الجمهورية الإسلامية في ضرورة أن تصبح أقوى من أي وقتٍ مضى في الدفاع عن البلاد. اليوم، معظم الإيرانيين يُعجبون بتبصّر قادتهم في استشراف المستقبل فيما يتعلق بتعزيز القدرات التسليحية، خاصة في مجالي الصواريخ والمسيّرات.
ثالثًا: الفهم الدقيق لسبب إصرار إيران على امتلاك العلوم النووية السلمية. فالشعب الإيراني، بمقارنته لوضع ما بعد الحربين مع ما قبلهما، يدرك أكثر من أي وقتٍ مضى أسباب إصرار ترامب ونتنياهو على إغلاق مراكزه ومنشآته وعلومه النووية، وهو يُصرّ على حمايتها، خاصةً وأن العلماء والمراكز النووية الإيرانية كانت في صدارة أولويات الهجمات.
رابعًا: كشف واقع أن الإيرانيين يعتبرون أي اعتداء على أرضهم وسيادتهم الوطنية حربًا وجودية، ويغيّرون استراتيجياتهم من الدفاع إلى الهجوم بسهولة، ولكن بجديةٍ بالغة.
خامسًا: يمكن توقّع أن إيران بعد الحرب لن تكون كما قبلها، وكذلك أميركا و"إسرائيل" لن تبقيا كما كانتا، رغم ادعائهما امتلاك أقوى الجيوش.
سادسًا: التجربة أظهرت، كما في "طوفان الأقصى"، أن هيبة "إسرائيل" يمكن أن تتضرر، وأن على أميركا و"إسرائيل" التحرك بحذرٍ أكبر مستقبلًا.
سابعًا: ما يتعلق بعلاقات إيران مع دول المنطقة، حيث بات واضحًا أن الأمن المفروض من خارج المنطقة لا يمكن أن يكون بديلًا فعالًا للأمن الداخلي.
وأخيرًا: وثق ترامب ثقةً كاملة بأفكار ومعلومات وادعاءات نتنياهو، وركّز على ثلاثة ملفات: النووي، والصاروخي، والإقليمي، ودخل في حربٍ مع إيران بناءً على هذه التصورات. لكن ادعاءاته حول تدمير القدرات الإيرانية، والانقسام الداخلي، ودعم الشعب الإيراني له، بدت جميعها موضع شكٍّ كبير بعد الحرب.
فإذا كانت القدرات الإيرانية قد دُمّرت، فلماذا لا يزال مضيق هرمز مغلقًا؟ وإذا كانت القدرة الصاروخية قد أُضعفت، فلماذا يستمر الخوف منها؟ وإذا كان البرنامج النووي قد انتهى، فلماذا الإصرار على التخصيب الصفري؟ وإذا كانت إيران ضعيفة، فلماذا التفاوض معها ومحاصرتها؟
وهل الهدف من الحصار البحري لإيران سوى محاولة حشد العالم ضدها للخروج من أزمةٍ بدأت كملحمةٍ بالنسبة لترامب، لكنها اليوم تبدو أقرب إلى مأساة؟