خاص العهد
في قلب الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، لم تكن اللحظة التي تسلّم فيها رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد نسخة من "مصحف مشهد الرضوي" من يد السفير الإيراني مير مسعود حسينيان مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كانت استحضارا لزمن كان فيه الحرف العربي يخطو خطواته الأولى على الرق، ليحفظ ذاكرة أمة.
كنز "الآستانة الرضوية" بين يدي تونس
هذا المصحف، المحفوظ في مكتبة "آستان قدس رضوي" بمدينة مشهد الإيرانية، ليس مجرد نسخة قديمة، بل هو المخطوط الحجازي الأكثر اكتمالا في العالم. فبينما تصل إلينا المخطوطات من القرن الأول الهجري مجزأة أو مفقودة، يحتفظ هذا المصحف (عبر مجلديه 18 و4116) بأكثر من 95 بالمئة من النص القرآني، مما يجعله الشاهد المادي الأقوى على استقرار النص التنزيلي منذ عصر الصحابة.
هوية المخطوط
يعود تاريخ المخطوط، وفقا لفحوصات الكربون المشع التي أجريت في مختبرات أكسفورد وأريزونا وزيورخ، إلى القرن السابع الميلادي (القرن الأول الهجري). وتتجلى قيمته في خصائص فريدة وهي الخط الحجازي الأصيل فقد كتب بخط مائل، خالٍ من التنقيط والزخرفة، مما يعكس بساطة التدوين الأول وقربه من "صوت" الوحي الشفاهي.
كشفت الدراسات أن الترتيب الأصلي للسور في المخطوط كان يتبع ترتيب الصحابي عبد الله بن مسعود، قبل أن يُعاد تنظيمه في قرون لاحقة ليتوافق مع المصحف العثماني، وهو ما يوفر مادة بحثية نادرة لعلماء المخطوطات.
المخطوط كُتب على رق غزال كبير الحجم وقد صمد أمام التقلبات التاريخية، بما في ذلك حصار الأوزبك لمدينة مشهد في القرن العاشر الهجري، حيث أخفاه الإيرانيون لحمايته من التدمير.
رحلة جغرافية وتاريخية
تشير القراءات التاريخية إلى أن المصحف كُتب في المدينة المنورة أو الكوفة، ثم انتقل إلى منطقة خراسان حيث استقر في نيسابور. وفي أواخر القرن الخامس الهجري، قام مالكه آنذاك "علي بن أبي القاسم المقرئ السروي" بوقفه لمرقد الإمام الرضا، ليبقى هناك لأكثر من تسعة قرون كإرث عالمي.
إن اختيار إيران لهذا المصحف تحديدا ليكون "هدية" لتونس في معرض الكتاب، يحمل دلالات عميقة، فهو اعتراف بتونس كمنارة ثقافية قادرة على تقدير قيمة "الأثر" و"الذاكرة". هو ربط بين القيروان ومشهد، بين الزيتونة وآستان قدس، وتأكيد على أن الثقافة هي المساحة التي تذوب فيها المسافات والجغرافيا أمام سطوة الحرف والتاريخ. واليوم، بوجود هذه النسخة في تونس، يفتح المعرض نافذة للباحثين التونسيين لملامسة هذا التاريخ العريق.
أبعاد دبلوماسية
غادر هذا المخطوط للحظة رمزية فضاءه المحصن ليدخل رحاب الفعل الدبلوماسي. ولعل لحظة تسلم رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد هذه النسخة العتيقة من القرآن الكريم من يد السفير الإيراني بتونس، مير مسعود حسينيان اثناء زيارة للجناح الإيراني ، هي لحظة مشحونة بكثافة تاريخية فريدة.
هذا المصحف هو قطعة أثرية فريدة و"أثر" حي وشهادة بقاء. يكتسي هذا الإهداء أبعادا قوية للعلاقات بين تونس وايران . فالمعرض ليس مجرد سوق للكتب، بل هو فضاء للحوار الثقافي وتلاقي الذاكرات. ومن هنا، فإن منح نسخة من هذا المصحف للرئيس قيس سعيد يتجاوز البروتوكول ليصبح فعلا رمزيا بامتياز اي اعتراف بتراث مشترك، وتعميق للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
هذا الجسر يربط، في لحظة واحدة، بين بدايات التدوين وبين حاضر العلاقات الثقافية بين تونس وإيران.