مقالات مختارة
د. محمد موسى علوش - صحيفة البناء
في الحروب، ليس الطرف الذي يدمّر أكثر هو الذي ينتصر بالضرورة، وإلا لكانت الولايات المتحدة قد انتصرت في فيتنام، ولكانت ألمانيا النازية قد انتصرت على الاتحاد السوفياتي.
فقد سقط نحو 27 مليون قتيل سوفياتي في الحرب العالمية الثانية، ووصلت القوات الألمانية إلى مشارف موسكو، ودُمّرت مدن وقرى ومصانع بأكملها، ومع ذلك اعتبر التاريخ ألمانيا هي المهزومة، لأنها فشلت في تحقيق هدفها الأساسي: إخضاع الاتحاد السوفياتي وكسر إرادته السياسية والعسكرية.
وكذلك في فيتنام وأفغانستان، حيث امتلكت الولايات المتحدة تفوّقاً عسكرياً هائلاً، لكنها عجزت عن تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي دائم. فالحروب لا تُحسم فقط بمن يملك فائض القوة النارية، بل بمن ينجح في تحويل القوة إلى خضوع سياسي واجتماعي وتاريخي دائم لدى خصمه.
من هنا، تبدو المشكلة في كثير من القراءات السطحية للحروب المعاصرة أنّها تختزل النصر والهزيمة بالمشهد البصري للحرب: عدد القتلى، حجم الدمار، الخراب الاقتصادي، أو السيطرة الميدانية المؤقتة. بينما تكشف الحروب الحديثة، وخصوصاً الحروب غير المتكافئة، أنّ الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين جيشين، بل صراعاً على الإرادة والوعي والقدرة على الاستمرار.
أولاً: على المستوى العسكري
التفوق العسكري لا يُقاس فقط بحجم التدمير، بل بقدرة الطرف على تحقيق الحسم ومنع خصمه من الاستمرار.
معايير الانتصار العسكري:
1 ـ القدرة على منع الحسم النهائي
تنتصر القوى غير المتكافئة عندما تمنع خصمها من إنهاء الحرب بصورة نهائية، كما حدث في أفغانستان، حيث فشلت الولايات المتحدة، رغم عشرين عاماً من الحرب، في إنهاء طالبان أو منعها من استعادة الحكم.
2 ـ الحفاظ على القدرة العملياتية والتنظيمية
الحروب الحديثة لا تُحسم باغتيال القيادات فقط، بل بقدرة التنظيم على الاستمرار بعد الضربات. ففي الحرب العالمية الثانية، ورغم الخسائر الهائلة التي تعرّض لها الاتحاد السوفياتي، استمرّت الدولة والجيش والبنية العسكرية بالعمل وإعادة التنظيم حتى قلبت مسار الحرب.
3 ـ إبقاء كلفة الحرب مرتفعة على العدو
حين تصبح الحرب مكلفة أمنياً واقتصادياً ونفسياً، يتحوّل التفوق العسكري إلى عبء استراتيجي، كما حدث في فيتنام.
4 ـ منع تثبيت السيطرة العسكرية
الدخول إلى الأرض لا يعني السيطرة الفعلية عليها، وإلا لما اضطرت “إسرائيل” إلى الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 رغم سنوات الاحتلال الطويلة.
5 ـ الحفاظ على القدرة الردعية
أيّ بقاء العدو مضطراً لحساب المخاطر قبل أيّ تصعيد أو توسع للحرب، كما حدث خلال الحرب الباردة بفعل الردع المتبادل.
وفي المقابل، تُهزم القوى العسكرية عندما تفقد قدرتها العملياتية والتنظيمية والردعية، أو عندما ينجح خصمها في فرض سيطرة مستقرة ونهائية عليها.
ثانياً: على المستوى السياسي
الحروب لا تُخاض من أجل القتال بحدّ ذاته، بل من أجل فرض إرادة سياسية. ولهذا قد يحقق طرف اختراقات أو تفوقاً عسكرياً واسعاً، لكنه يعجز عن تحويلها إلى نتائج سياسية نهائية.
معايير الانتصار السياسي:
1 ـ منع فرض الشروط السياسية للخصم
فالانتصار السياسي يعني منع الخصم من تحويل الحرب إلى تسوية نهائية بشروطه، كما حدث مع الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
2 ـ الحفاظ على استقلالية القرار
أيّ عدم التحوّل إلى أداة خاضعة لإرادة الخصوم. وقد ظهر ذلك في تجربة الجزائر خلال حرب التحرير، كما يظهر اليوم في استمرار الجمهورية الإسلامية في إيران لاعباً إقليمياً أساسياً رغم العقوبات والحصار ومحاولات العزل.
3 ـ منع تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع سياسي دائم
قد تحقق الجيوش اختراقات عسكرية كبيرة لكنها تفشل في تحويلها إلى واقع سياسي مستقرّ ونهائي، وهو ما واجهته إسرائيل مراراً في لبنان وغزة.
4 ـ الحفاظ على القدرة التأثيرية
ويظهر ذلك في استمرار حزب الله كفاعل أساسي في المعادلة اللبنانية والإقليمية رغم الحروب والضغوط والعقوبات ومحاولات العزل السياسي.
5 ـ منع إنتاج شرعية سياسية للهزيمة
ويظهر ذلك في استمرار التأييد الشعبي والسياسي للمقاومة ورفض القرارات التي تُعتبر متواطئة ضدها، رغم الضغوط الداخلية والخارجية.
وفي المقابل، تُهزم القوى سياسياً عندما تُجبر على القبول بشروط خصمها، أو تفقد استقلالية قرارها وقدرتها التأثيرية، أو تتحوّل الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات ضدها بصورة دائمة.
ثالثاً: على المستوى الاجتماعي
أما المستوى الاجتماعي، فهو الأعمق والأخطر، لأنّ الحروب الطويلة لا تُحسم فقط في الميدان أو السياسة، بل داخل المجتمع نفسه: في وعيه، وهويته، وقدرته على تحمّل الكلفة واستعداده للاستمرار.
معايير الانتصار الاجتماعي:
1 ـ الحفاظ على تماسك البيئة الاجتماعية
تنتصر المجتمعات عندما تحافظ على تماسكها رغم الحرب، كما حدث في الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية رغم المجاعة والدمار والخسائر البشرية الهائلة.
2 ـ بقاء العدو مصدر التهديد في الوعي الجماعي
ولهذا بقي الاحتلال الإسرائيلي في الوعي الفلسطيني والعربي مرتبطاً بفكرة العدوان والاحتلال رغم الحملات الإعلامية والسياسية الطويلة.
3 ـ الحفاظ على العلاقة بين المجتمع والأرض
فالنزوح لا يصبح هزيمة بحدّ ذاته، بل عندما يتحوّل إلى انفصال نفسي واجتماعي دائم عن الأرض. ولهذا عاد الجنوبيون إلى قراهم بعد التحرير عام 2000 وبعد حرب تموز 2006 رغم حجم الدمار والخطر.
4 ـ بقاء فكرة المصير الجماعي
ويظهر ذلك في تجارب حركات التحرر الكبرى كالثورة الجزائرية، ويظهر اليوم في الخطاب الشعبي المتكرر لدى عائلات الشهداء التي تؤكد استعدادها لتقديم المزيد من أبنائها من أجل استمرار المقاومة.
5 ـ بقاء الناس مؤمنين بالمقاومة
ولهذا بقيَت الثورة الجزائرية مرتبطة في الوعي الشعبي الجزائري بمعاني التحرر والكرامة رغم التفوق العسكري الفرنسي، كما بقيت المقاومة الفيتنامية تحمل شرعية وطنية واسعة رغم التفوق العسكري الأميركي.
وفي المقابل، تُهزم المجتمعات عندما تنهار بيئتها الحاضنة، أو يتحوّل الألم إلى نقمة داخلية، أو تتفكك العلاقة بين المجتمع والأرض والهوية، أو يفقد الناس إيمانهم بالمقاومة.
كيف تنطبق هذه المعايير على الحرب بين المقاومة و”إسرائيل”؟
إذا جرى تطبيق هذه المعايير على الحرب بين المقاومة و”إسرائيل”، يصبح من الصعب اختزال النتيجة بمجرد حجم الدمار أو عدد الشهداء.
فعلى المستوى العسكري، ورغم اغتيال عدد كبير من القيادات والكادرات والمقاتلين في حرب 2024، وعلى رأسهم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وبعد خمسة عشر شهراً من اغتيال كوادر ومقاتلي الحزب وتدمير البيوت والمصالح الاقتصادية، ورغم الحرب المدمّرة في عدوان 2026، وتقدم “إسرائيل” نحو الليطاني، وإجراءات حصر السلاح من قبل الدولة اللبنانية، وتوقيف عدد من المقاتلين ومحاكمتهم، لم تنهَر المقاومة عسكرياً، بل عادت لتؤكد استمرار قدرتها العملياتية والتنظيمية.
كما أنّ استمرار إطلاق الصواريخ حتى تل أبيب، وتهجير سكان شمال فلسطين المحتلة، واستخدام المُسيّرات الانقضاضية FPV المحمّلة بالقذائف، كلها مؤشرات على أنّ إسرائيل لم تستطع تحويل تفوّقها العسكري إلى سيطرة مستقرة وآمنة.
وعلى المستوى السياسي، لم تنجح “إسرائيل” حتى الآن في فرض تسوية نهائية تنهي دور المقاومة، كما لم تخضع المقاومة بالكامل للمسار السياسي التفاوضي الذي تسعى بعض القوى الداخلية والخارجية إلى فرضه. كما ظهر استمرار التأييد الشعبي والسياسي للمقاومة ورفض القرارات التي تُعتبر متواطئة ضدّها.
أما اجتماعياً، فرغم النزوح والدمار والخسائر البشرية الهائلة، بقيت البيئة الحاضنة للمقاومة متماسكة إلى حدّ كبير، وظهر ذلك في عودة الناس إلى الجنوب، وفي الخطاب الشعبي المتكرّر لدى عائلات الشهداء التي تؤكد استعدادها لتقديم المزيد من أبنائها من أجل استمرار المقاومة، وفي خروج كثير من الأهالي بصورة طوعية لإفساح المجال أمام حركة المقاومة واستخدام البيوت والمناطق في إدارة المعركة.
ومن هنا، فإنّ السؤال الحقيقي في الحروب المعاصرة لم يعد: من دمّر أكثر؟ بل: من استطاع تحويل القوة إلى خضوع تاريخي دائم؟
فـ “إسرائيل”، رغم تفوقها العسكري الهائل وقدرتها الكبيرة على التدمير، لا تزال عاجزة عن تحويل هذا التفوق إلى هيمنة كاملة أو إلى تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية التي تُنتج المقاومة. فالمقاومة ليست مجرد سلاح أو تنظيم عسكري، بل حالة مرتبطة بالهوية والأرض والوعي الجماعي والإحساس بالتهديد والكرامة.
وفي المقابل، نجحت المقاومة حتى الآن في منع تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى حسم سياسي واجتماعي نهائي، وفي الحفاظ على قدرتها العملياتية، وعلى حضورها السياسي، وعلى تماسك بيئتها الحاضنة رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة. وفي منطق الحروب المعاصرة، هذه ليست مجرد قدرة على الصمود، بل شكل فعلي من أشكال الانتصار.