عين على العدو
سألت الصحافية "الإسرائيلي" أرييلا رينغل هوفمان في "يديعوت أحرونوت": "ماذا يفعل الجيش "الإسرائيلي هناك الآن؟" وكان من بين الأسئلة المطروحة في تقرير نُشر مؤخرًا في الصحيفة تحت عنوان "صورة الوضع في لبنان". وأضافت أن الإجابة لا شيء. لا مبادرات هجومية، توقف في التقدم الميداني، وتمركز في المواقع التي جرى احتلالها.
وفي سياق الأسئلة المطروحة، يبرز أيضًا سؤال حول مدى اطلاع الجيش على "الآلية الجديدة" بعد أن "انقلب الصديق المجنون من واشنطن علينا". ولفتت هوفمان إلى أن الجيش يعمل وفق تعليمات المستوى السياسي، مع تأكيدات من قيادته، وعلى رأسها رئيس الأركان، بأن الدروس المستخلصة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر تفرض نمطًا دفاعيًا مختلفًا يقوم على العمل من عمق الميدان لا من خطوط الحدود، في إعادة صياغة واضحة لمفاهيم الانتشار والدفاع.
لكن، بحسب الكاتبة، جوهر المسألة لا يكمن في التفاصيل العملياتية وحدها، بل المسألة هي كيف تختصر بضعة أسطر كلّ الآفات والأمراض في طريقة إدارة الشأن "الإسرائيلي". رغم كونه صاحب القرار، يبدو غارقًا في إدارة ملفات داخلية معقدة ومثقلة بالصراعات والتشريعات والخلافات، بما يخلق حالة من التشويش على تحديد الأولويات الوطنية. وفي هذا السياق، تتحول الجبهات العسكرية إلى حالة من التمركز الدفاعي وانتظار التطورات، بدل المبادرة ووضع إستراتيجيات واضحة طويلة المدى.
وأضافت أنه، في حال افتراض أن الجيش هو آخر بالغ مسؤول بقي في الميدان، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما يفعله الجيش في لبنان، بل بما إذا كان ينقل صورة واضحة وصريحة إلى المستوى السياسي حول حدود القوة وإمكانيات الاستمرار في هذا النهج. فالتجارب السابقة تشير إلى أن نمط "التحصين" قد يتحول تدريجيًا إلى واقع استنزاف طويل، حتى لو حمل تسميات عملياتية مختلفة.
وأوضحت هوفمان أن الجيش في دولة ديمقراطية يخضع للحكومة المنتخبة ولا يضع السياسات، غير أن دور رئيس الأركان لا يقتصر على التنفيذ، بل يشمل صياغة التوصيات المهنية وتقديم تقدير موقف واضح للمستوى السياسي، ما يجعل الفاصل بين القرار السياسي والمشورة العسكرية أكثر تعقيدًا في الواقع مما يبدو نظريًا.
وأشارت كذلك إلى أن قرارات إستراتيجية كبرى في الماضي، بينها نقاشات حول استهداف البرنامج النووي الإيراني قبل نحو 15 عامًا، لم تكن سياسية صِرفة، بل نتاج تفاعل بين المستويين السياسي والعسكري، حيث أدت التقديرات المهنية دورًا حاسمًا في منع أو تأجيل بعض الخيارات، إدراكًا لتعقيدات التنفيذ وكلفة الفشل المحتملة.
وفي هذا السياق، تطرح الكاتبة تساؤلًا مقلقًا: ليس فقط عمّا إذا كان المستوى العسكري مقتنعًا بالوجود الميداني الحالي، بل عمّا إذا كانت اعتبارات الاستنزاف وتراكم المسؤوليات، بما في ذلك ملف التجنيد وضغط قوات الاحتياط، تدفع نحو خيارات دفاعية تُقدَّم بوصفها "أقل ضررًا"، رغم أنها قد لا تكون الأكثر فاعلية على المدى البعيد.
ورأت أن البقاء في لبنان يعيد إنتاج أنماط مألوفة من إدارة الصراع، في ظل غياب رؤية سياسية جديدة واضحة. فالمستوى السياسي في "إسرائيل"، وفق هذا التوصيف، لا يقدم حتى الآن إستراتيجية بديلة متماسكة، ما يضاعف من عبء القرار على المؤسسة العسكرية.
ومن هنا، بحسب رينغل هوفمان، تتعاظم مسؤولية الجيش، لا بوصفه جهة تنفيذ، بل بوصفه جهة مهنية يفترض أن تقدم تقديرًا صريحًا حتى لو كان غير مريح. فدور رئيس الأركان ليس تلطيف القرارات أو تبريرها، بل دفع صناع القرار إلى مواجهة الحقائق كما هي، حتى لو جرى ذلك في العلن وليس خلف الأبواب المغلقة.
وتختم بأن المسؤولية الأولى للمؤسسة العسكرية هي حماية أمن "إسرائيل" و"سكانها"، لكنها تشمل أيضًا حماية حياة الجنود، خاصة عندما تصبح الكلفة غير متناسبة مع الجدوى، في معادلة لا يمكن فصلها عن الثمن الإنساني الذي لا يظهر في الحسابات العملياتية وحدها.