اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي استراتيجية البقاء بين الحياة والشهادة: قراءة في مدرسة الإمام الخامنئي (قده)

مقالات

هل أسقط التصعيد الأميركي – الإيراني اتفاق الإطار؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

هل أسقط التصعيد الأميركي – الإيراني اتفاق الإطار؟

296

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

لم يكن اتفاق الإطار بين لبنان و"إسرائيل" يومًا اتفاقًا منفصلًا عن المشهد الإقليمي، بل كان نتاجًا مباشرًا لموازين القوى التي فرضتها الولايات المتحدة بعد الحرب، عبر سعيها إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بما يضمن أمن "إسرائيل" ويمنع عودة الجبهة اللبنانية إلى الاشتعال. ولذلك، فإن أي تغير جوهري في العلاقة بين واشنطن وطهران لا ينعكس على الملف النووي الإيراني فحسب، بل يمتد تلقائيًا إلى لبنان.

واليوم، مع عودة التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران، يعود السؤال الأساسي إلى الواجهة: هل لا يزال اتفاق الإطار قادرًا على الاستمرار، أم أنه أصبح مجرد وثيقة فقدت البيئة السياسية التي أوجدتها؟

الإجابة لا تكمن في قراءة بنود الاتفاق وحدها، بل في فهم الظروف التي أنتجته. فالاتفاق لم يولد نتيجة توازن متكافئ بين لبنان و"إسرائيل"، بل جاء بعد حرب مدمرة عاشها لبنان في ظل ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة، وفي ظل انخراط أميركي مباشر في إدارة المفاوضات. ومن هنا، يُنظر إليه بوصفه اتفاقًا فرضته موازين القوة أكثر مما كان ثمرة تفاوض متكافئ، وبتواطؤ من الحكومة اللبنانية التي ضربت عرض الحائط برأي فريق سياسي وازن في لبنان.

ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق يمثل صيغة من صيغ الإذعان السياسي والأمني، لأن "إسرائيل" خرجت منه، بحسب قراءتهم، بضمانات أمنية واسعة. فبينما بقيت مسألة الانسحاب الكامل رهينة اعتبارات أمنية وتفسيرات قابلة للتبدل، حصلت "إسرائيل" على هامش واسع للتحرك العسكري تحت عناوين منع التهديدات أو الدفاع الاستباقي عن النفس، الأمر الذي جعل تطبيق الاتفاق مرتبطًا بالتقدير "الإسرائيلي" أكثر منه بآلية قانونية ملزمة للطرفين.

فإن أخطر ما أنتجه الاتفاق لم يكن النصوص وحدها، بل تكريس واقع سياسي جديد يقوم على التعامل مع الوجود العسكري "الإسرائيلي" في أجزاء من الجنوب باعتباره أمرًا يمكن أن يستمر إلى حين تحقق شروط أمنية تضع "إسرائيل" بنفسها معاييرها. وبهذا المعنى، يُعتَبَر أن الاتفاق لا ينهي الاحتلال بقدر ما ينظم إدارته ويمنحه غطاءً سياسيًا وأمنيًا، وهو توصيف ترفضه "إسرائيل" والولايات المتحدة.

كما أن الاتفاق منح "إسرائيل" حرية حركة غير مسبوقة، إذ لم ينجح في وقف العمليات العسكرية بصورة كاملة، ولم يمنع استمرار الغارات والاستهدافات داخل الأراضي اللبنانية. وبذلك، أصبحت السيادة اللبنانية عرضة لتفسيرات أمنية "إسرائيلية" متكررة، فيما بقي لبنان مقيدًا بالتزامات واسعة تحد من خياراته السياسية والعسكرية.

غير أن الاتفاق لم يكن يومًا قائمًا على الإرادة اللبنانية و"الإسرائيلية" وحدها، بل كان جزءًا من هندسة إقليمية أوسع تقودها الولايات المتحدة. لذلك، فإن أي تصدع في هذه الهندسة ينعكس مباشرة على الاتفاق. ومع عودة التوتر الأميركي–الإيراني، تتراجع الأولوية الأميركية لتثبيت التفاهمات الحدودية، لتحل محلها إدارة مواجهة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها ساحات الخليج والعراق وسورية ولبنان.

وتدرك "إسرائيل" أن تصاعد الصراع مع إيران يعني عمليًا أن الجبهة اللبنانية ستبقى عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع. ولذلك، فإنها تميل إلى توسيع هامش عملياتها العسكرية كلما ارتفع مستوى التوتر مع طهران، باعتبار أن أي تهديد محتمل من الشمال يجب احتواؤه استباقيًا. ما يجعل استقرار الجنوب اللبناني مرتبطًا مباشرة بمسار العلاقة الإيرانية–الأميركية.

ومن هنا، يصبح اتفاق الإطار أولى ضحايا التصعيد. فهو اتفاق بُني على فرضية التهدئة، بينما تعود المنطقة اليوم إلى منطق الاشتباك. والاتفاقات الأمنية لا تعيش عندما تتغير البيئة الاستراتيجية التي أوجدتها. فالنصوص القانونية قد تبقى، لكن قدرتها على إنتاج الاستقرار تتآكل كلما ارتفع منسوب الصراع الإقليمي.

وقد لا يُعلن أحد انتهاء الاتفاق رسميًا، لكنه قد يدخل مرحلة التعطيل العملي. فاللجان قد تتوقف، وآليات التنفيذ قد تتجمد، بينما تعود الوقائع الميدانية لتصبح المرجع الحقيقي في إدارة الحدود. وعندما تصبح القوة العسكرية هي اللغة السائدة، تتراجع قيمة الاتفاقات السياسية مهما بلغت دقتها.

إن مستقبل اتفاق الإطار لن يُحسم في بيروت ولا في "تل أبيب" وحدهما، بل في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران. فإذا استمر التصعيد، فإن الاتفاق مرشح لأن يتحول إلى إطار شكلي . هذا دون التطرق إلى أن هذا الاتفاق الإطاري وُلِد ميتًا لأن تطبيقه غير قابل للتنفيذ، إذ إن مفاتيح الأرض ليست مع من يفاوض.

وفي جميع الأحوال، سيبقى هذا الاتفاق موضع انقسام داخل لبنان. فهناك من يراه خطوة ضرورية لتجنب حرب جديدة، فيما يعتبره آخرون اتفاقًا كرّس اختلال موازين القوى ومنح "إسرائيل" أفضلية أمنية وسياسية واسعة، وجعل مفهوم السيادة اللبنانية أكثر هشاشة في مواجهة معادلات القوة الإقليمية.

وربما تكون المفارقة الأبرز أن الاتفاق الذي قُدِّم باعتباره مدخلًا للاستقرار، أصبح اليوم رهينة التصعيد نفسه الذي كان يفترض أن يمنع عودته. وهكذا، يتبين مرة جديدة أن استقرار لبنان لا يُصنع بالنصوص وحدها، بل بالتوازنات التي تحميها، وأن أي اتفاق لا يستند إلى توازن سياسي وعسكري مستدام يبقى معرضًا للاهتزاز مع أول تبدل كبير في المشهد الإقليمي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة