اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فتح النار إعلاميًا على بيئة المقاومة: الخلفيات وسبل المواجهة

مقالات

بين ترامب والشرع... من يتحدث باسم مستقبل لبنان؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

بين ترامب والشرع... من يتحدث باسم مستقبل لبنان؟

366

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة، التأكيد للمرة الثالثة على موقف واضح مفاده أن سورية لن تتدخل في لبنان، وأنه لا ينوي دخول الأراضي اللبنانية أو الانخراط في معالجة ملف سلاح حزب الله. ولم يكن هذا التصريح عابرًا، بل جاء بصيغة قاطعة ومتكررة، ما يمنحه وزنًا سياسيًا كبيرًا ويجعله بمثابة إعلان رسمي عن سياسة دمشق تجاه لبنان في المرحلة الحالية.

لكن هذا الموقف يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد صرّح أكثر من مرة بأن الرئيس الشرع مستعد للمساعدة في حل قضية سلاح حزب الله، بل إن آخر تلك التصريحات جاء أمام الرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، من دون أن يصدر عن الجانب اللبناني أي اعتراض أو تصحيح أو حتى توضيح لما قاله الرئيس الأميركي.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: من يقول الحقيقة؟

هل كان ترامب يعبّر عن تفاهمات سياسية جرت خلف الأبواب المغلقة ولم يُكتب لها أن ترى النور، ولا سيما بعد استدعائه الرئيس الشرع إلى تركيا، حيث كان موجودًا، أم أنه كان يوجّه رسالة سياسية إلى الداخل اللبناني وإلى المجتمع الدولي أكثر مما كان ينقل موقفًا سوريًا حقيقيًا، أم أن دمشق، بعد حسابات إقليمية ودولية معقدة، قررت النأي بنفسها عن أي دور قد يعيدها إلى المشهد اللبناني بطريقة تستحضر تجارب الماضي؟

مهما يكن الجواب، فإن التناقض بين الروايتين ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يمس قضية سيادية تتعلق بمستقبل لبنان وتوازناته الداخلية.

فالحديث عن تدخل سورية لمعالجة ملف سلاح حزب الله يعني عمليًا إعادة إدخال دمشق إلى المعادلة اللبنانية بوصفها لاعبًا أمنيًا وسياسيًا، مع خطر اندلاع فتنة مذهبية قد تفتك بالمنطقة برمتها. وهذا أمر بالغ الحساسية في بلد لا يزال يحمل ذاكرة عقود طويلة من الوصاية السورية وما رافقها من انقسامات.

لكن اللافت أن تصريحات الشرع جاءت أيضًا بعد أشهر من تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن: «أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فقط، بل يبدأ من حلب، ويبدأ من دمشق، ويبدأ أيضًا من بيروت». يومها أثار هذا الكلام نقاشًا واسعًا، لأنه أوحى بأن أنقرة تنظر إلى المشرق باعتباره مساحة أمنية مترابطة تمتد من الحدود التركية حتى الساحل اللبناني.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن تركيا تسعى إلى تكريس نفسها لاعبًا إقليميًا لا يقتصر دوره على سورية، بل يمتد إلى كل ما يتصل بأمن شرق المتوسط وبلاد الشام، مستفيدة من نفوذها السياسي والعسكري داخل الأراضي السورية وعلاقاتها المتشعبة مع القوى الدولية والإقليمية.

لكن تصريح الشرع الأخير يضع أيضًا حدودًا لهذا التصور، إذ يؤكد أن دمشق لا تريد أن تتحول إلى بوابة لأي تدخل في لبنان، سواء جاء بطلب أميركي أو ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.

ولعل ما يدفع دمشق إلى هذا الموقف هو إدراكها أن لبنان يعيش توازنات داخلية شديدة التعقيد، وأن أي تدخل مباشر سيعيد فتح ملفات تاريخية ويمنح خصومها السياسيين مادة دائمة للهجوم عليها، فضلًا عن أن سورية نفسها تواجه تحديات اقتصادية وأمنية تجعل أولوياتها داخل حدودها أكثر منها خارجها.

في المقابل، قد تكون واشنطن تنظر إلى سورية من زاوية مختلفة، فإذا كانت الولايات المتحدة تبحث عن آلية لنزع فتيل الأزمة اللبنانية أو لمعالجة ملف السلاح خارج إطار المواجهة العسكرية، فإن إشراك دمشق قد يكون بالنسبة إليها خيارًا عمليًا، انطلاقًا من معرفة سورية التاريخية بالملف اللبناني وعلاقاتها القديمة مع معظم القوى السياسية.

غير أن المشكلة تكمن في أن هذه الرؤية الأميركية، إن كانت موجودة فعلًا، تصطدم برفض سوري معلن، وبتعقيدات لبنانية خطيرة لا يمكن إغفالها.

إذًا، يعني ذلك أن أحد الطرفين يتحدث عن سيناريو لا يوافق عليه الطرف الآخر.

أما لبنان، فيبدو حتى الآن غائبًا عن توضيح هذا التناقض. فالصمت الرسمي أمام تصريحات ترامب، ثم عدم التعليق على النفي السوري المتكرر من سلطة سياسية تنادي بالسيادة، يترك المجال واسعًا أمام التكهنات، ويغذي الشائعات حول وجود تفاهمات غير معلنة أو ضغوط دولية أو مشاريع يجري إعدادها بعيدًا عن الرأي العام اللبناني.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس التناقض بين ترامب والشرع بحد ذاته، بل أن يصبح مستقبل لبنان موضوعًا لتصريحات متعارضة تصدر من عواصم مختلفة، بينما يغيب الصوت اللبناني القادر على تحديد ما يريده لبنان وما يرفضه.

فالدول تُبنى عندما تكون قراراتها نابعة من مؤسساتها، لا عندما تتحول إلى ساحة تتبادل فيها القوى الإقليمية والدولية الرسائل السياسية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا كان الرئيس الأميركي يؤكد استعداد دمشق للقيام بدور في لبنان، بينما ينفي الرئيس السوري ذلك بصورة متكررة وواضحة، فأي رواية ينبغي للبنانيين أن يصدقوا؟ وهل كان ما قاله ترامب تعبيرًا عن خطة لم تعد قائمة، أم قراءة خاطئة للموقف السوري، أم مجرد رسالة سياسية أراد توجيهها إلى أطراف لبنانية وإقليمية؟

إلى أن تأتي الإجابات، سيظل هذا التناقض عنوانًا جديدًا لحقيقة قديمة: لبنان ما زال ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين، في ظل سلطة سياسية تدّعي أنها سيادية، وأنها لا ترضى بأن يفاوض عنها أحد، فهي التي تفاوض عن نفسها، فيما يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى موقف وطني موحد يحفظ سيادته ويمنع أن يُدار مستقبله من خارج حدوده.

الكلمات المفتاحية
مشاركة