اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "يديعوت أحرونوت": إضافة 25 مليار شيكل إلى المؤسسة الأمنية

مقالات

من تفكيك
🎧 إستمع للمقال
مقالات

من تفكيك "الحزام" إلى علي الطاهر: معركة النفس الطويل

166

صحافية لبنانية

علي الطاهر ليس اسمًا لمعركة مُنفردة وحيدة في سياق منفصلٍ عن تاريخ المواجهات والتصدّي البطولي لأصحاب الأرض. خَبِر المقاومون منذ 1982 كلّ زاوية في قرى الجنوب، وحفظوا الوصية بالدفاع عن شرف هذا الوطن في تلك البقعة العاملية.

أكثر ما كان يُميّز المعارك التي خاضتها المقاومة الإسلامية هناك كان الصبر والمثابرة والنفس الطويل، والقدرة على الصمود، واستنزاف العدو إلى أقصى حدّ حتى يصل إلى نقطة التراجع والانسحاب.

إقليم التفاح يشهد على ملاحم عنوانها التحمّل والفترات الزمنية الممتدّة المجبولة بالتخطيط القائم على ضرب الجيش "الإسرائيلي" وإضعاف قوّته العسكرية تدريجيًا.

استعادةُ تلك المرحلة الذهبية من القتال وإنهاك العدو تبدو اليوم حاجةً لتذكير من يُسقط التجارب مع المحتل من حسابات اليوم، لتركيز فكرة أن عقدة علي الطاهر بالنسبة للصهاينة مصيرها كمصير سابقاتها من المعارك التي خاضوها في الجنوب في "الحزام الأمني" قبل التحرير: الاندحار.

اللويزة.. المقاومة تحبط "إنجازات" العدو

عام 1988، في بلدة اللويزة وجبل صافي، قدّم "الإسرائيلي" مواجهته للمقاومين على أنها إنجازٌ تكتيكي بالغ الأهمية لفرض سيطرته على المنطقة وتتويج العقيدة القتالية التي عمل عليها لسنوات الجنرال دان شمرون، رئيس أركان الاحتلال الثالث عشر، الذي تولّى القيادة العسكرية خلال فترة احتلال جنوب لبنان، واعتُبر مؤسسًا للتعبئة العسكرية في وحدات الكوماندوس "الإسرائيلية".

كانت ضربات المقاومة على مدى ثلاث سنوات تقريبًا من العام 1982 وحتى 1985، مقدّمة تمهيدية حملت جيش الاحتلال "الإسرائيلي" على الاقتناع بوجوب الانسحاب أولًا وأخيرًا من الجنوب، وهو فعلًا ما حدث في صيدا وبلدات عديدة من الجنوب وحتى في قرى البقاع الغربي، ليُبقي على شريط محتل آخر يصل إلى قضاء جزين حفاظًا على ما كان يرى فيه وجودًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه في تلك البقعة.

تقع اللويزة في قضاء جزين. في ذلك الوقت، كانت بالنسبة للمقاومين الشباب أرض الميدان الحقيقية. مقابل تقدم مئات جنود الاحتلال وعملائهم في جيش لحد بمساندة نارية مكثفة وغارات جوية واسعة، تحرّك المجاهدون ليُحبطوا ما ينوي الصهاينة تنفيذه. فشلت قوات الاحتلال في السيطرة على القرية، وانحصر وجودها في مساحة صغيرة جدًا، ثم تحوّلت محاولة سحب ناقلة جند مدمرة إلى معركة بحد ذاتها.

العدو آنذاك اعترف بمقتل جنديين وجرح 7 فضلًا عن إصابة 25 من عملاء لحد، إلى جانب تدمير دبابة و6 ناقلات جند.

التخطيط "الإسرائيلي" للعملية بدأ عام 1986، عندما كُلّف ضابطان بإعداد خطتين لمداهمة اللويزة وجبل صافي. ثم جرى اختبار الخطة بمحاولة اقتحام في 26 تشرين الثاني 1986، وتواصلت التحضيرات والتجارب حتى الهجوم الكبير في 25 أيار 1988، وهذا يعني أن التحضير للعملية استغرق نحو سنتين. أما العملية نفسها فاستمرت من 25 إلى 27 أيار 1988، أي نحو ثلاثة أيام، وشهدت خمس محاولات هجومية رئيسية. ورغم كلّ هذا الاستعداد والتحشيد، لاقى "الإسرائيلي" الفشل والهزيمة.

ميدون.. التحشيد "الإسرائيلي" لا يصنع نصرًا

عام 1988، شكّلت معركة ميدون أيضًا نموذجًا بارزًا للصمود في مواجهة قوة "إسرائيلية" كبيرة، إذ واجه المقاومون هجومًا واسعًا مدعومًا بالدبابات والمدفعية والطيران، وأُوقعت خسائر في صفوف القوات المهاجمة، التي اضطرت في نهاية المطاف إلى الانسحاب من البلدة بعدما عجزت عن تحقيق أهدافها كاملة.

في تفاصيل ومؤشرات تلك العملية، تجاوز القصف "الإسرائيلي" أثناءها ثلاثة آلاف قذيفة وعشرات الغارات الجوية، وكلّ هذا لم يمكّن جيش الاحتلال من السيطرة على كامل البلدة، وانسحب عند المساء بعد تدمير عدد من المنازل وارتقاء ثمانية عشر شهيدًا من المقاومين.

المعركة خلّفت أثرًا مهمًّا في الوعي العسكري "الإسرائيلي"، باعتبارها مواجهة كشفت صعوبة حسم المعركة البرية مع المقاومة الإسلامية، فميدون كانت تتمتّع بمزايا عسكرية وتعبوية مهمة، إذ تقع على ارتفاع يتجاوز 1100 متر، ما يمنحها إشرافًا واسعًا على المناطق المحيطة، كما يُتيح لها موقعها الجغرافي السيطرة على عدد من المعابر وخطوط الوصول، وبالتالي توفير أفضلية كبيرة في نصب الكمائن.

الريحان.. المقاومة تخرق تحصينات العدو

تمكنت المقاومة سنة 1999، وفي أقل من عشرة أيام، من اختراق الإجراءات الميدانية المشددة وخوض مواجهات عنيفة مع العدو "الإسرائيلي".

العملية نُفّذت عبر طريقة مركّبة حول ثكنة الريحان، مستهدفة موكبًا قياديًا "إسرائيليًا" عند مدخل الثكنة، ثم الهجوم على قوات الإسناد والتعزيزات من عدة محاور، بالتزامن مع استهداف الثكنة ومواقع لحد ومربض الزفاتة.

العملية جاءت في ظل اقتراب موعد تحرير الجنوب، وأظهرت أن تكثيف الغارات الجوية لم يمنع المقاومة من الوصول إلى القوات "الإسرائيلية" ميدانيًا. وقتها، أقرّ العدو بوقوع خسائر في صفوفه وإصابات، لكنّ رمزية العملية كانت كبيرة، فهي أتت بعد أقل من عشرة أيام من عملية سابقة للمقاومة في المنطقة ضدّ عملاء لحد، ونُفّذت رغم تشديد الإجراءات الأمنية "الإسرائيلية". كما أثبتت فشل استراتيجية "الضرب من فوق"، فلم يمنع تكثيف الطيران "الإسرائيلي" المقاومة من تنفيذ عملية ميدانية معقّدة والوصول إلى قوات وقيادات الاحتلال.

كذلك أظهرت العملية قدرة المقاومة على اختراق الإجراءات الأمنية المشددة واستهداف موكب قيادي "إسرائيلي" في منطقة حساسة.

وعلى صعيد تعدّد محاور الهجوم، جرى استهداف الموكب، وقوات الإسناد، ومواقع لحدية، ومواقع عسكرية أخرى في وقت متقارب، ما أربك قوات الاحتلال "الإسرائيلية".

المقاومة في العملية استخدمت المضادات الجوية ضد طائرات الاحتلال، وهذا أضاف بُعدًا مهمًا لها، وعليه تعزّزت القناعة أن الاعتماد "الإسرائيلي" المتزايد على الطيران ليس كافيًا لحماية قواته ومنع عمليات المقاومة.

مواطن العجز والقصور في العقيدة القتالية لجيش الاحتلال

مكامن الضعف والعجز في أسلوب قتال جيش الاحتلال في جنوب لبنان من 1985 إلى 2000 وردت في دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي" INSS عام 2009.

تُشير الخلاصة التي خرجت بها الدراسة لـ15 عامًا من القتال في لبنان إلى أن كلفة البقاء ومواجهة حزب الله أصبحت أكبر من الفائدة الأمنية التي كان الحزام يفترض أن يوفرها.

الشواهد على ذلك تُعدّدها الدراسة وفق الآتي:

* الحزام الأمني لم يحقّق الغاية التي أُنشئ من أجلها، بمعنى أن الحزام الذي كان يفترض أن يحمي "إسرائيل" أصبح يحتاج إلى حماية "إسرائيلية" مستمرة.
* العجز عن تحويل التفوّق العسكري إلى حسم.
* عُقدة المواقع المحصّنة: تحول انتشار الجيش "الإسرائيلي" إلى شبكة من المواقع المحصّنة إلى نقطة ضعف بقدر ما كان وسيلة حماية. وحزب الله كثّف خلال الفترة 1992–2000 من هجماته على مواقع الجيش "الإسرائيلي" وجيش لحد، إضافة إلى الكمائن التي استهدفت القوافل المتحركة بين المواقع. أصبحت المعادلة: إذا بقيت القوات في المواقع، أصبحت عرضةً للاستنزاف، وإذا خرجت منها، تعرضت للكمائن على الطرق.
* عُقدة القوافل والطرق: أكثر العُقد حساسية، إذ احتاج الجيش "الإسرائيلي" إلى نقل الجنود والذخيرة والطعام والمعدات بين عشرات المواقع المنتشرة في الجنوب. ومع مرور الوقت أصبحت القوافل هدفًا مباشرًا لحزب الله.
* فشل التفوّق التكنولوجي في إنهاء المشكلة، والقضاء على تهديد حزب الله.
* الحصار العسكري لم يخنق المقاومة: التجربة أظهرت أن هذه الإجراءات لم تتمكّن من عزل حزب الله عن بيئته أو وقف قدرته على إعادة إنتاج العمليات. وتطوُّر حزب الله، وفق الدراسة، يشير إلى أنه حقّق خلال التسعينيات تقدّمًا في قدراته العملياتية، مع ارتفاع عدد عملياته بمرور السنوات.
* الاعتماد على جيش لحد لم يحلّ "المشكلة".
* انتقال جيش الاحتلال من فعل المُبادر إلى المعبّر عن ردّ الفعل، وهذه من أهم نقاط الضعف التي تعترف بها الأدبيات العسكرية "الإسرائيلية" نفسها. الدراسة تذكر أن طبيعة القتال في "الحزام الأمني" فرضت قيودًا كثيرة على "القوات البرية النظامية" ومنعتها من العمل بالطريقة التي تعكس عقيدة الجيش التقليدية في القتال البري المركب.
* العامل النفسي والسياسي للخسائر في صفوف الجنود "الإسرائيليين"، واعتبر ذلك في الدراسة عاملًا حاسمًا في تحوّل المسألة من مشكلة عسكرية إلى مشكلة سياسية داخل الكيان.
# النتيجة: الانسحاب "الإسرائيلي" لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية تقليدية، بمعنى انهيار الجيش في معركة واحدة أو فقدانه القدرة على القتال، بل كان نتيجة فشل استراتيجية أمنية طويلة الأمد في تحقيق الغاية التي وضعت من أجلها، مع ارتفاع كلفة استمرارها.

في التعبيرات "الإسرائيلية"، يقول هذا إن الكيان استطاع أن يسيطر على الأرض، وأن يحصّن مواقعه، وأن يستخدم التفوق الجوي والمدفعي والاستخباري، لكنه لم يستطع أن يجعل هذه العناصر تُنهي قدرة حزب الله على القتال.

الأفضلية لمن يملك خيار الاستنزاف

بناءً على ما سلف، معركة علي الطاهر ومعارك ما قبل تحرير الجنوب تُعطي قراءةً أوسع لطبيعة العُقدة التي واجهها جيش الاحتلال في جنوب لبنان: ليست المشكلة في امتلاك القوة النارية أو التفوّق التكنولوجي، بل في القدرة على تحويل هذا التفوّق إلى نتيجة عسكرية وسياسية حاسمة. وهذه هي العُقدة التي تكررت في أكثر من محطة، فكلما طال أمد المواجهة، انتقلت الأفضلية تدريجيًا من الجيش الذي يملك النار إلى المقاومة التي تملك القدرة على الصبر، والاستمرار، والاستنزاف، وإعادة إنتاج نفسها بعد كل ضربة.

النصر ليس باحتلال الأرض

وفي هذا النوع من الحروب، لا يكفي أن يحتل الجيش الأرض كي ينتصر، عليه أن يكون قادرًا على الاحتفاظ بها بأقل كلفة، ومنع خصمه من العمل فيها، وكسر إرادته على الاستمرار. وهذا تحديدًا ما عجز الاحتلال عن تحقيقه في الجنوب. فالمواقع المحصّنة لم تمنع الهجمات، والطيران لم يمنع العمليات البرية، والقصف لم يُنهِ المقاومة، والحواجز والإجراءات الأمنية لم تمنع الاختراق، والعمليات الواسعة لم تنتج حسمًا دائمًا، والاعتماد على جيش لحد لم يوفّر لـ"إسرائيل" حلًا نهائيًا.

من هنا تتضح واحدة من أبرز العقد القتالية "الإسرائيلية" في لبنان: الجيش يستطيع أن يحقّق تفوقًا تكتيكيًا في معركة أو أن يدمّر هدفًا أو يحتل موقعًا، لكنه يواجه صعوبة أكبر حين يصبح المطلوب منه خوض حرب طويلة ضدّ عدو لا يمنحه معركةً بالشروط التي يريدها. كلّما حاول تثبيت وجوده، أصبح وجوده نفسه هدفًا للاستنزاف، وكلّما وسّع عملياته، ارتفعت كلفة الخسائر، وكلّما اعتمد على النار من بعيد، بقي عاجزًا عن منع المقاومة من العودة إلى الميدان.

علي الطاهر ستقود العدو إلى سؤال: كيف نخرج من هنا؟

لذلك، فإن علي الطاهر لا تُقرأ فقط بوصفها معركة في جغرافيا محددة، ولا بوصفها مواجهة منفصلة عن سياقها، بل بوصفها حلقة في نمط أوسع من المواجهة: مقاومة تُراكم الخبرة وتُراكم الضربات، في مقابل جيش متفوق بالنار لكنه يجد نفسه أمام حرب لا يستطيع حسمها بالقوة وحدها.

وفي نهاية المطاف، هذه هي المفارقة التي طبعت تجربة الاحتلال في الجنوب: دخل الجيش "الإسرائيلي" لبنان بقوة عسكرية هائلة، ثم أعاد انتشارَه في "الحزام الأمني"، ثم تحصّن خلف المواقع، ثم كثّف الاعتماد على الطيران والمدفعية والاستخبارات، ثم حاول العمليات المحدودة والواسعة، ثم شدّد الإجراءات الأمنية، ومع ذلك بقيت المقاومة قادرة على الوصول إليه واستنزافه. ومع تراكم السنوات والخسائر، تحوّلت المسألة من سؤال "كيف نحمي الحزام؟" إلى سؤال أكثر صعوبة: "كيف نخرج من الحزام؟".

قراءة تاريخ المواجهة في الجنوب لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال من ربح معركةً بعينها، بل عند السؤال الأكبر: من استطاع أن يفرض على الآخر نهاية الحرب التي يريدها؟ وفي أيار 2000 كانت الإجابة واضحة في الجنوب: خرج جيش الاحتلال، وبقيت الأرض لأصحابها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة