اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي منتدى البحرين لحقوق الإنسان: محاكمة العلماء تفتقر لمعايير العدالة

نقاط على الحروف

قلعة بعلبك و
نقاط على الحروف

قلعة بعلبك و"خرائط روما".. هل لفّقت MTV الرواية؟ إليكم القصة الكاملة

230

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

في 8 تموز/يوليو 2026؛ وفي مقدمة نشرة أخبارها المسائية، نقلت قناة MTV أن "الجانب الإسرائيلي وضع أمام الوفد اللبناني حقائق قاسية" في مفاوضات روما. من تلك الحقائق وجود مركز عسكري مهم تحت قلعة بعلبك، إضافة إلى أنفاق تربط البقاع بجرود كسروان وجبيل، وأنفاق أخرى تربطه بالشوف والمختارة. وربطت القناة هذه المعلومات بما وصفته بـ"التفاصيل الواردة من واشنطن".

من منطلق حرصها المزيّف على حياة الناس، قالت إنها معلومات "خطرة جدًا"، فإذا ثبتت صحتها؛ يتعين على السلطة أن تتصرف (...). وفقًا لما قالته القناة، فإنّ أمن اللبنانيين "هو في يد سلطة اليوم"، والتي عليها أن تقوم بما عليها، وإلا تكون هي من يستدعي "إسرائيل" لتكمل مهمتها في لبنان.. والكلام هنا لقناة المر.

قد يُخيّل للمشاهد، وهو يستمع إلى هذه المقدمة، أنه أمام بيان عسكري "إسرائيلي" يحدد مواقع الأهداف ويضع السلطة اللبنانية أمام خيارين: أن تتصرف، أو أن تترك لـ"إسرائيل" إكمال "مهمتها". أو قد يُخيّل له أنه أمام مقدمة نشرة على "القناة 12 الإسرائيلية"، لا أمام مقدمة نشرة على إحدى القنوات اللبنانية. هذه الصياغة تحمل، في داخلها، المفارقة الأساسية، وهي المعلومة. إذ بحسب القناة نفسها، المعلومة هذه ليست نتاج تحقيق ميداني أجراه مراسلوها، بل معطى منسوب إلى كيان العدو . والأخير لطالما اخترع التلفيقات والأكاذيب ليسوّغ عدوانه. ما يطرح السؤال الأساسي: كيف يمكن للإعلام اللبناني أن يتحول إلى ناقل لرواية "إسرائيلية" ومنصة لإعادة إنتاجها وترويجها؟

في هذا الصدد؛ تحديدًا، تبدأ المسؤولية الإعلامية. لنسلّم جدلًا أن القناة اللبنانية أرادت نقل الخبر المذكور كما ورد إليها من مصادرها. لكنّ هناك فارقًا مهنيًا جوهريًا بين أن تقول المؤسسة الإعلامية: "الجانب الإسرائيلي يقول إن هناك مركزًا عسكريًا تحت قلعة بعلبك"، مع التحفظات الكبيرة على نقل رواية عدو أمعن في قتل المدنيين وشنّ عدوانًا واسعًا على لبنان، ما يستوجب إرفاق ادعاء العدو بمفردات من قبيل "زعم"، "ادعى"، و"وفقًا لقوله"، وبين أن تقدم المعلومة داخل بناء خبري وسياسي يجعلها جزءًا من حقائق الميدان التي ينبغي للدولة أن تتعامل معها. هنا، نصبح أمام عملية تُسمّى، في دراسات الإعلام، بـ"التأطير"؛ التي تُنتج للمتلقي تفسيرًا محددًا للحدث.

بذلك المعنى، تصبح قلعة بعلبك، في خطاب الـ MTV، جزءًا من خريطة أمنية: مركز عسكري، أنفاق، امتدادات نحو كسروان وجبيل، ثم احتمال أن تتحول هذه المعطيات إلى مسوغ لشن عدوان عسكري عليها، وهذا ما ألمحت إليه القناة اللبنانية. وهنا بيت القصيد: معلومة يلفّقها "طرف" في الحرب، تنتقل إلى وسيلة إعلام لبنانية، ثم تُقدَّم للجمهور على شكل معطى أمني ينبغي للدولة أن تتصرف على أساسه، وإلا سيُشن عدوان "إسرائيلي" على موقع أثري مثل قلعة بعلبك ومناطق مأهولة في البقاع وكسروان وجبيل. الجدير قوله، إنّ ذكر  هذه المناطق في خطاب عسكري متكرر لا ينتج أثرًا إعلاميًا وحسب، يسهم أيضًا في إعادة تعريفها أمام الجمهور: من أماكن مدنية أو أثرية إلى مواقع محتملة داخل بنية عسكرية. وهذا التحول في المعنى هو أحد أخطر آثار التأطير الإعلامي في زمن الحرب.

في هذا السياق، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بالحق في نقل ما يقوله أحد "أطراف النزاع"، أيضًا بحدود المسافة التي يفترض أن تبقيها المؤسسة الإعلامية بينها وبين الرواية التي تنقلها. إذ إن الطرف "الإسرائيلي" ليس مصدرًا محايدًا في هذه القضية؛ هو طرف مباشر في العدوان على لبنان، وله مصلحة واضحة في تقديم مناطق لبنانية محددة بوصفها مواقع عسكرية أو أجزاء من شبكة تحت الأرض. لهذا؛ فإن نقل معلومات العدو كما هي لا يُشبه أي عملية إعلامية أو إخبارية. 

على المؤسسة اللبنانية ألّا تمنح رواية العدو منبرًا محليًا، لأنها لا تعرض حياة اللبنانيين للخطر وحسب، أيضًا تسهم في بناء سردية يمكن استخدامها للتمهيد لاستهداف هذه المناطق. هنا؛ تصبح المسؤولية مضاعفة: ليس من وظيفة الإعلام أن يقدّم للعدو ما يبحث عنه من ذرائع، ولا أن يحوّل ادعاءاته إلى خرائط محلية، ولا أن يهيئ الرأي العام لتقبّل استهداف مدن ومواقع لبنانية بإعادة تعريفها بوصفها أهدافًا عسكرية.

بناء على ما تقدم؛ من المفيد جدًا، استذكار بيان الجيش اللبناني، قبل عامين؛ والذي نفى نفيًا قاطعًا ما روّج له من ادعاءات من المنظومة الإعلامية نفسها؛ حين أشارت قيادة الجيش حينها إلى أن "وسائل إعلامية ومواقع للتواصل الاجتماعي تداولوا، في الآونة الأخيرة، مقطع فيديو صادر عن جهة تابعة للعدو "الإسرائيلي"، يدّعي فيه وجود مواقع صواريخ وشبكة أنفاق في جبيل وكسروان". كما أكد البيان كذب مزاعم العدو، موضحًا أن الفيديو يعرض مشاهد لمنشآت مدنية وحفريات تعود إلى مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان، أُقيمت لأغراض الصيانة ولحاجة سد جنة من تصريف المياه".

اللافت أنّ ادعاءات الـMTV لم تتوقف عند نشرة أخبار 8 تموز، لقد راحت تتكاثر داخل المنظومة الإعلامية نفسها. في 21 آب 2026؛ ظهر توم حرب، والذي يعرّفه موقع MTV بأنه رئيس التحالف الأميركي- الشرق أوسطي للديمقراطية والعضو في الحزب الجمهوري الأميركي اللبناني، ليتحدث في "الموجز اليومي" في MFM، التابعة للمجموعة الإعلامية نفسها، متحدثًا عن "معلومات تُكشف للمرة الأولى". قال يومها إنهم اكتشفوا من "الخرائط التي عُرضت في مفاوضات روما" وجود "تلة علي الطاهر أخرى"، تحت قلعة بعلبك وفي جوارها، وإن الأنفاق هناك تمتد إلى جرود كسروان وجبيل، ثم أعادت MTV نشر كلامه.

قد يستشف البعض من تصريح حرب أنه كان مصدر المعلومات التي أوردتها MTV في 8 تموز، وهو المعروف بعلاقته بالقناة المذكورة. هنا؛ يصبح السؤال أكثر تحديدًا: هل نحن أمام نقل متكرر للمعلومة، أم أمام عملية تثبيت للسردية؟ لتصبح الرواية، مع مرور الوقت، مألوفة إلى درجة أن السؤال عن أصلها يتراجع لمصلحة التعامل معها كأنها حقيقة مستقرة. هذا تحديدًا ما تحذر منه أخلاقيات التغطية الإعلامية في زمن الحرب، خوفًا من أن يتحول الإعلام من أداة للتحقق من المعلومات إلى أداة لتثبيتها في الوعي العام قبل التحقق منها. وعليه، عندما تُبنى الصورة مسبقًا عن هدف مدني بأنه عسكري، فإن أي استهداف لاحق يمكن أن يجد أمامه سردية جاهزة لتفسيره وتسويغه.

هل عُرضت الخرائط فعلًا؟

في السياق المقدم؛ تحديدًا، تظهر أهمية السؤال عن المصدر والتوقيت والتكرار أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الرواية التي تُقال مرة يمكن أن تبقى موضع شك، لكن الرواية التي تُعاد صياغتها في أكثر من منصة، ويُعاد تقديمها على أنها "كشف" أو "معلومة جديدة"، تبدأ باكتساب الشرعية،ـ وإن كانت مزيفة، في التكرار نفسه. من هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال التالي حتميًا: إذا كانت هذه الرواية تستند إلى خرائط قيل إنها عُرضت في مفاوضات روما، فهل عُرضت الخرائط فعلًا؟

الإجابة عن السؤال تتضمن مفاجأة ومفارقة حاسمة؛ وهي لم تأت من جهة تخالف الخط الإعلامي الذي تتبعه الـMTV، بل من صحيفة "النهار" نفسها، والتي تتحرك في مساحة إعلامية وسياسية قريبة منها. إذ نقلت صحيفة "النهار"،ـ بتاريخ 23 آب 2026 ، عن مصدر حكومي لبناني رسمي متابع للمفاوضات قوله: "إنّ هذه الخرائط لم تُعرض أصلًا". كما يؤكد المصدر أن "إسرائيل" لم تعرض، خلال مفاوضات روما أو واشنطن، أي خرائط أو صور لأنفاق تحت قلعة بعلبك أو ممتدة منها نحو جرود كسروان وجبيل. كما لم تُبلّغ الوفد اللبناني بوجود أنفاق في بعلبك. ويضيف أن الجيش اللبناني لم يكتشف أنفاقًا تحت القلعة، ولم يقدّم للحكومة تقارير استخبارية عنها أو عن امتداداتها المزعومة.

بناء على هذه المعطيات الحقيقية، تتغير طبيعة القضية.. إذ لم يعد السؤال فقط: هل الرواية صحيحة أم كاذبة؟ بل كيف نُسبت رواية، بهذه التفاصيل، إلى طاولة مفاوضات تقول المعطيات الرسمية إنها لم تُعرض عليها أصلًا؟ فإذا كانت MTV قد قالت، في 8 تموز، إن "الجانب الإسرائيلي وضع أمام الوفد اللبناني" هذه "الحقائق"، ثم قال توم حرب في 21 آب إنه استند إلى "خرائط عُرضت في مفاوضات روما"، فإن المعطى الرسمي الذي تنقله "النهار" يضع الروايتين أمام تناقض مباشر. هنا؛ يصبح واجبًا على الإعلام الذي نقلها أن يجيب عن هذه الأسئلة: من أين جاءت هذه الخرائط؟ من كان مصدر هذه التفاصيل؟ على أي أساس ربطت بمفاوضات روما؟ وإذا لم تكن الخرائط قد عُرضت أصلًا، فما الذي عُرض على الجمهور اللبناني؟

اللافت أن "النهار" لا تكتفي بنقل نفي عرض الخرائط، تنقل أيضًا عن مسؤول آخر، وهو مكلّف بمهمة استشارية رسمية ومواكبة للمفاوضات، أن الوفد "الإسرائيلي" لم يتشاور مع الوفد اللبناني بشأن وجود أنفاق في بعلبك. هنا تسقط رواية الـ MTV وتوم حرب، وتقع في تناقض مباشر مع المعطيات الرسمية اللبنانية، ما يعزّز فرضية نسج الـMTV، ومن يدور في فلكها، معلومات ملفقة من بنات أفكارها لضرب البيئة الشيعية واستهدافها أينما وجدت، وتسويغ الاعتداءات عليها، فتصبح الـMTV جزءًا لا يتجزأ من منظومة العدوان "الإسرائيلي" على لبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة