نقاط على الحروف
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
من أقدم القواعد التي أرستها الفلسفة الأخلاقية في تنظيم العلاقات الإنسانية والسياسية قاعدة المعاملة بالمثل: ألّا يطلب المرء من الآخرين ما لا يرتضيه لنفسه، وألّا يحاكمهم بمعايير يرفض أن تُطبّق عليه. غير أن هذه القاعدة، على بساطتها، تبدو غائبة في كثير من الممارسات السياسية، حيث تتحوّل المعايير من مبادئ ثابتة إلى أحكام انتقائية تتبدّل تبعًا لهوية من يمارس الفعل. وهذا فعلًا ما يمارسه حزب "القوات" في الحياة السياسية اللبنانية. يُراهن هؤلاء على ذاكرة "السمكة" في عالم بات فيه كل شيء موثّقًا بالتاريخ والصوت والصورة. وتصريحات قياداتها لا تزال شاهدة على معايير سبق أن احتكمت إليها في محاكمة خصومها، قبل أن تجد نفسها تمارس أفعالًا مشابهة لما كانت تضعه في خانة التعطيل وضرب المؤسسات.
ولعلّ مقاطعة جلسات مجلس النواب تشكّل أحد أبرز الأمثلة على هذه الازدواجية. فحين قاطع نواب من خصوم "القوات" جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، لم تتردد القوات في اتهامهم بتعطيل الاستحقاق الدستوري وشلّ المؤسسات، واعتبرت مغادرة القاعة وتطيير النصاب دليلًا على التعطيل المتعمّد. لكن حين لجأت هي نفسها إلى مقاطعة جلسات تشريعية، لم يكن لذلك، وفق خطابها، أي صلة بتعطيل المؤسسات، بل كان ممارسة لحق سياسي. وشتّان ما بين مقاطعة تنطلق من اعتبارات وطنية ودستورية، مهما اختلفت التقديرات بشأنها، ومقاطعة تُشبه نهج "القوات" وتتحوّل إلى أداة للمزايدة السياسية وفرض الشروط وإحراج المؤسسات الدستورية.
لكن الإشكالية الأبرز تبقى في أن من يوزّع اتهامات التعطيل على الآخرين لا يستطيع أن يعفي نفسه من المعيار نفسه، ولا أن يمنح ممارساته توصيفًا مختلفًا لمجرد أنه صاحبها. تمامًا، كما لا يستطيع إخفاء ماضيه "التعطيلي" لأنّ الذاكرة التوثيقية لا تخون. والأمثلة في هذا الصدد تطول. على سبيل المثال: في 14 تشرين الثاني 2022 قال رئيس حزب "القوات" سمير جعجع: "محور الممانعة هو من يغادر القاعة بعد الدورة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية بهدف تطيير نصاب الجلسة وهو المسؤول الأول عن التعطيل ويتباهى بذلك بشكل علني". ولم ينتظر جعجع لوقت آخر ليناقض نفسه، بل أضاف في التصريح نفسه عندما سُئل عن احتمال تعطيل "القوات" جلسات الانتخاب: "يطيّر النصاب لجلسة واحدة بغية التفاهم حول موضوع معين أو لتصويب مساره".
ما قاله جعجع أكمله نائبه جورج عدوان حيث قال في 4 شباط 2023: "لن نحضر أي جلسة تشريعية قبل انتخاب رئيس جديد". وكرّر الأمر في 27 آب 2023 حين قال: "يمكن استخدام ورقة المقاطعة لتحديد خطواتنا المقبلة". وفي 23 كانون الثاني 2025 اتهم بيان "القوات" الثنائي الوطني بتطيير النصاب وتعطيل المؤسسات. وهذه ليست سوى محطات من سلسلة طويلة من التصريحات والمواقف التي يمكن رصدها في هذا السياق، وتكشف تفاوتًا واضحًا في المعيار الذي تعتمده "القوات" في توصيف المقاطعة: فما تضعه حين يمارسه خصومها في خانة تعطيل المؤسسات وتطيير النصاب، تلجأ إليه هي نفسها بوصفه ورقة ضغط سياسية ووسيلة لفرض موقفها. فهل يتغيّر توصيف المقاطعة بتغيّر الجهة التي تمارسها، أم أن ما يُعدّ تعطيلًا عند الآخرين يصبح حقًا سياسيًا عندما يصدر عن "القوات"؟. والمسألة هنا ليست في حق أي فريق سياسي في الاعتراض أو المقاطعة، بل في ازدواجية المعيار في الحكم على الممارسة نفسها، وفي مطالبة الآخرين بالالتزام بقواعد لا تلتزم بها "القوات" حين تتعارض مع حساباتها السياسية.
ولعلّ المثال الأبرز على ذلك ما جرى في ملف قرض إعادة الإعمار. ففي أواخر أيلول 2025، قاطعت "القوات" جلسات تشريعية اعتراضًا على عدم إدراج اقتراح تعديل قانون الانتخاب على جدول الأعمال، ما أدى إلى فقدان النصاب وتعطيل انعقاد الجلسات. حينها، بقي مشروع قرض البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، المخصص لإعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة جراء العدوان "الإسرائيلي"، عالقًا في مجلس النواب. وقد استمر هذا التعطيل أسابيع، وسط تحذيرات من أن التأخير قد يعرّض القرض لخطر الإلغاء. حينها حمّل جعجع رئيس مجلس النواب نبيه بري المسؤولية لعدم إدراج اقتراح قانون معجّل مكرّر لتعديل قانون الانتخاب على جدول الأعمال. ما يعني أنّ "القوات" تريد التحكم ببنود جدول الأعمال. وفي 18 كانون الأول 2025، عادت "القوات" إلى مقاطعة الجلسة التشريعية، اعتراضًا على عدم إدراج اقتراحها الانتخابي، لكن النصاب تأمّن بحضور كتل أخرى، فأُقرّ القرض.
هكذا، لم تكن المقاطعة بالنسبة إلى "القوات" تعطيلًا للمؤسسات، بل أداة ضغط لفرض شروطها على جدول الأعمال، حتى عندما كان الأمر يتعلق بقرض مخصص لإعادة تأهيل البنى التحتية التي دمرها العدوان. وهذه عيّنة بسيطة عن ازدواجية المعايير والتناقض الذي يتسم به هذا الحزب. فهذا النهج لم يُستخدم في مجلس النواب فقط بل في مختلف مسارات الحياة السياسية اللبنانية، وعلى رأسها الحكومة. ففي 6 تشرين الأول 2026 اعتكف وزير الطاقة القواتي جو الصدي عن حضور جلسات الحكومة بحجة إقرار مطالبات له في ملف الكهرباء. ولا داعيَ هنا للدخول في تفاصيل الفشل الذريع الذي مني فيه عمله. وفي 22 تشرين الأول 2026 انسحب وزراء "القوات" من الحكومة بحجة عدم إحالة ملف سيارة المقاومة إلى المجلس العدلي. وفي 28 تشرين الأول أيضًا، أعلن هؤلاء الوزراء مقاطعة الجلسة الحكومية بحجة عدم إدراج الإحالة على جدول أعمالها، لينفذوا المقاطعة في اليوم التالي أي في 29 تشرين الأول. وهنا تبدو المقاطعة والانسحاب والاعتكاف وفق قاموس "القوات" أدوات ضغط مشروعة.
وعليه، يبدو السؤال ملحًا: ماذا يحاول حزب "القوات" أن يفعل؟. لا يتكبّد المتابع للشعبوية التي يبديها هذا الحزب عناء ليكتشف أنّه يهدف بلا شك إلى إحراج رئيسَي الجمهورية والحكومة لفرض جدول أعمال محدّد يناسب خياراتهم "الشعبوية". المادة 64 من الدستور تجعل وضع جدول أعمال مجلس الوزراء من صلاحية رئيس الحكومة، مع إطلاع رئيس الجمهورية مسبقًا عليه. وبالتالي، لا يملك أي فريق وزاري منفرد حق فرض بند على الجدول. إلا أنّ حزب "القوات" يسعى لامتلاك هذا الحق بالابتزاز من خلال ممارسة الضغط على الرئاستين، ومحاولة الإيحاء بأنه الحزب الحريص على مصلحة المسيحيين والشارع المسيحي مستخدمًا كل أدوات المزايدات. مع الإشارة إلى أنّ هذا الحزب وبعد الفشل الذريع الذي مني به عهده الوزاري يسعى إلى نقل النقاش من تقييم أدائه داخل الحكومة إلى معركة سياسية وإعلامية عنوانها الدفاع عن "حقوق المسيحيين" وفرض الأولويات التي يختارها. فبدل أن يكون أداء وزرائه في وزارات الطاقة والصناعة والخارجية والمهجرين موضع مساءلة وتقييم، يحاول الحزب جعل الخلاف مع رئيسي الجمهورية والحكومة محور المشهد، وتقديم نفسه في موقع الطرف الذي يواجه ما يصفه بالتساهل في الملفات السيادية والأمنية. وحبّذا لو نشهد مثل هذه "العنتريات القواتية" أمام الاعتداءات "الإسرائيلية".