اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي من معرض أرضي.. يد تمتد للنساء المتضررات من الحرب

نقاط على الحروف

قالوا
نقاط على الحروف

قالوا "المقاومة انتهت".. فماذا تقول الوقائع بالأرقام؟

سردية الانتهاء في مواجهة الوقائع: المقاومة حاضرة
81

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

بإمكان أي شخص في هذا العالم أن يقول ما يحلو له، فليس على الكلام "جمرك" كما يُقال. لكنّ الكلام شيء، والواقع شيء آخر، وحين تصطدم الادعاءات بالوقائع، تسقط الأقوال ويتكشّف زيفها، مهما جرى الترويج لها وتكرارها. وهذا هو حال النغمة التي تكرّرت طوال نحو عامين عن "انتهاء المقاومة" و"انقلاب بيئتها عليها"، وهي سردية تصطدم في كل محطة استحقاقية وشعبية بوقائع مغايرة، تعيد طرح السؤال عن مدى دقة هذه الادعاءات، وتكشف أن ما يُراد فرضه إعلاميًا لا يعكس ما يجري على الأرض، بل يأتي في سياق عمل متكامل تقف خلفه غرفة عمليات متعددة الأدوات، تخوض حربًا على المقاومة، لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تمتد إلى السياسة والإعلام والاقتصاد ومحاولات تفكيك بيئتها الشعبية وعزلها عن محيطها الوطني، وصولًا إلى صناعة رأي عام معادٍ لها والترويج لسردية هزيمتها وانتهاء دورها.

فهل نجحت محاولات عزل المقاومة عن محيطها الوطني، أم أن الوقائع الانتخابية والاجتماعية أظهرت استمرار حضورها؟ سؤال سنجيب عنه بمنهجية وواقعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والسرديات الجاهزة. فنحن لا نعامل الآخرين بالمثل، بل نحتكم إلى الوقائع على الأرض لا الأوهام، وإلى الأرقام لا التكهنات، وإلى الاستحقاقات لا الادعاءات. نترك لصناديق الاقتراع والمواقف الشعبية أن تقول كلمتها، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي ومحاولات توجيه الرأي العام. فالحكم على الواقع لا يكون بما يُقال عنه، بل بما تكشفه الوقائع وتثبته النتائج.

وبعد أن توقّفنا عند الدراسات والاستطلاعات التي تناولت واقع المقاومة في بيئتها الشعبية، وأظهرت أرقامها استمرار التمسّك بها أكثر من أي وقت مضى، ننتقل من المؤشرات البحثية إلى الوقائع الميدانية، ومن نتائج الدراسات إلى ما أفرزته الاستحقاقات على الأرض، أي من الاستطلاعات إلى صناديق الاقتراع. فبعيدًا عن إجابات الاستطلاعات وتحليلات الباحثين، ثمة محطات انتخابية وشعبية تشكّل بدورها مؤشرات تستحق التوقف عندها. نعود إلى الانتخابات البلدية، ومشهد تشييع السيدين الشهيدين، والتجمع الكشفي الكبير، وما حملته تلك المحطات من مؤشرات على مستوى الحضور الشعبي والوطني، لنصل إلى أحدث الاستحقاقات، المتمثلة في الانتخابات الطلابية في الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، بوصفها محطة جديدة لمعاينة هذا الحضور خارج البيئة الشيعية.

الانتخابات الطلابية 

البداية من الانتخابات الأحدث، انتخابات جامعة القديس يوسف- اليسوعية (USJ). التعبئة التربوية لحزب الله حصدت المقاعد الـ19 التي خاضت المنافسة عليها كاملة، محققة فوزًا بنسبة 100%. ماذا يعني ذلك؟ يعني، أولًا، أن الحضور المؤيد للمقاومة لم يغب عن واحدة من أبرز الجامعات اللبنانية ذات التنوّع السياسي والطائفي. وعليه، فإنّ محاولات تصوير هذا الخيار على أنه محصور ببيئته الاجتماعية ساقطة،  كما أنّ فرضية أن خيار المقاومة فقد قدرته على الحضور والتنافس خارج بيئته الاجتماعية المباشرة لم تثبت صحتها.

ولا تقتصر المؤشرات على الجامعة اليسوعية، ففي الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، حملت الانتخابات الطلابية بدورها نتائج تستحق التوقف عندها، إذ حصدت حركة أمل 7 مقاعد، وحزب الله 3 مقاعد، ليبلغ مجموع ما نالته القوتان 10 مقاعد. وهي نتيجة تؤكد أن الحضور المؤيد للمقاومة وقراءة المزاج الطلابي لا يمكن أن يستندا إلى السرديات الإعلامية وحدها، بل ينبغي أن تنطلق من النتائج الفعلية والملموسة على الأرض.

الصورة نفسها تكررت في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، حيث حصدت حركة أمل 7 مقاعد، وحزب الله 3 مقاعد، ليصل مجموع مقاعد القوتين إلى 10. وبذلك، لا نتحدث عن نتيجة عابرة في جامعة واحدة، بل عن حضور انتخابي للقوى المؤيدة للمقاومة في أكثر من جامعة، رغم اختلاف تركيبتها الطلابية وتنوع اتجاهاتها السياسية. وهذا ما يجعل نتائج هذه الانتخابات مجتمعة مؤشرًا يستحق القراءة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة التي تحاول اختزال المزاج الطلابي في رواية واحدة.

الانتخابات البلدية 

لكنّ هذا الحضور الانتخابي لا يبدأ من الجامعات، ولا يقتصر عليها. ففي أيار عام 2025، شكّلت الانتخابات البلدية محطة أخرى لاختبار المزاج الشعبي، ولا سيما داخل البيئة التي استهدفتها حملات الحديث عن تراجع التأييد للمقاومة أو انقلاب جمهورها عليها. يومها، جاءت الانتخابات البلدية فيما كانت المقاومة لا تزال تخرج من حرب 2024، وسط حملة إعلامية وسياسية واسعة روّجت لانتهاء دورها، غير أنّ صناديق الاقتراع حملت نتائج مغايرة لما سعت تلك الحملات إلى تكريسه، وشكّلت مفاجأة لمن راهنوا على أن الحرب وما رافقها من خسائر وضغوط قد أضعفت الالتفاف الشعبي حول المقاومة. فبدلًا من أن تعكس النتائج الصورة التي جرى الترويج لها، أظهرت استمرار حضورها وقدرتها على خوض الاستحقاق الانتخابي في عدد واسع من البلدات.

وقد أثبت تحالف حزب الله وحركة أمل حضوره في غالبية البلديات الشيعية، سواء في جبل لبنان أو البقاع أو الجنوب، بحيث فازت اللوائح المدعومة منه بالتزكية في نحو 160 بلدة من أصل 331 بلدية. أما الانتخابات في البلدات الأخرى، فكانت شبه محسومة لصالح الثنائي الوطني، فيما أظهرت النتائج أنّ خيار المقاومة لا يزال الخيار الأول في المناطق الشيعية. 

ففي محافظة بعلبك – الهرمل على سبيل المثال، حققت لوائح "التنمية والوفاء" فوزًا كاملًا في البلديات الـ80 التي خاضت فيها المنافسة، من دون تسجيل أي خرق، بينها 28 بلدية حُسمت بالتزكية. وفي محافظتي الجنوب والنبطية، فازت 109 بلديات بالتزكية من أصل 272 بلدية، وفق إعلان وزارة الداخلية، وهو ما سجّل النسبة الأعلى بالتزكية على مستوى لبنان. وفي التفاصيل، فازت لوائح التنمية والوفاء بجميع المقاعد (100% من أعضاء المجالس البلدية) في المدن الكبرى (صور والنبطية وبنت جبيل): صور (21/21 مقعدًا)، النبطية (21/21 مقعدًا)، بنت جبيل (18/18 مقعدًا).

وفي محافظة جبل لبنان، امتدّ حضور لوائح "التنمية والوفاء" إلى عدد من البلدات، فحققت الفوز الكامل في الغبيري وحارة حريك، وفازت بالتزكية في برج البراجنة والمريجة – تحويطة الغدير – الليلكي. وفي بلديات قضاءي جبيل وكسروان، حققت الفوز الكامل في المعيصرة والحصين ومزرعة السياد ولاسا، فيما فازت اللوائح المدعومة من "التنمية والوفاء" في علمات والصوانة. وتُظهر هذه النتائج أن الحضور الانتخابي للتحالف لم يقتصر على مناطقه التقليدية، بل امتدّ إلى بلدات ذات تركيبات اجتماعية وسياسية متنوعة.  ففي بلديات إقليم الخروب / قضاء الشوف (البلدات المختلطة/الشوفية) فازت لوائح  "التنمية والوفاء" بكامل أعضائها في الجية، وجون، والوردانية. وفي بلديات قضاء عاليه فازت لوائح  "التنمية والوفاء" بكامل أعضائها في كيفون والقماطية.

تشييع السيدين والتجمع الكشفي 

لكنّ صناديق الاقتراع ليست وحدها ما يكشف حجم الحضور الشعبي للمقاومة. فثمة محطات لا تُقاس بنتائج انتخابية أو بعدد المقاعد، بل بحجم المشاركة الشعبية وطبيعة الحضور الذي يتجاوز حدود المنطقة والانتماء. وهنا نعود إلى محطات أبعد تاريخيًا، وتحديدًا إلى شباط 2025، وهي محطة مواراة الشمس والقمر حيث شُيّع سيد شهداء الأمة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله والسيد الهاشمي الشهيد هاشم صفي الدين. تلك المحطة شكّلت مشهدًا شعبيًا ووطنيًا واسعًا، وأظهرت أن الرهان على عزل المقاومة عن محيطها أو اختزال حضورها ببيئتها الاجتماعية هو رهان واهم وخاسر.

وقدّرت وكالة "رويترز"، نقلًا عن مصدر أمني لبناني، عدد المشاركين في التشييع بنحو مليون شخص، فيما تحدثت تقارير أخرى عن أرقام تجاوزت المليون وبلغت مليونًا و400 ألف مشارك. ماذا يعني ذلك؟ هل يعني أنّ البيئة انتهت، أو أنّ المقاومة باتت معزولة عن محيطها؟ أم أنّ هذا المشهد، بما حمله من حشد شعبي واسع ومشاركة من لبنان وخارجه، يقدّم صورة مناقضة تمامًا لما حاولت حملات سياسية وإعلامية تكريسه؟ الإجابة تقول إنّ تشييعًا بهذا الحجم، وصفته وسائل إعلام دولية بأنّه الأكبر في لبنان منذ عقود، لا يمكن اختزاله في مراسم وداع، بل شكّل استعراضًا لحضور شعبي وسياسي عابر للمناطق، ورسالة واضحة بأنّ الرهان على عزل المقاومة أو تصويرها كخيار منتهٍ لا يستند إلى الوقائع مطلقًا.

ولا يتوقف المشهد عند التشييع وما كشفه من حجم الالتفاف الشعبي. فبعد نحو ثمانية أشهر، وتحديدًا في 12 تشرين الأول 2025، احتضنت المدينة الرياضية في بيروت تجمع "أجيال السيد"، بمشاركة أكثر من 74 ألف كشفي وكشفية. لم يكن المشهد مجرد مناسبة لإحياء ذكرى السيدين الشهيدين، بل حمل دلالة تتصل باستمرارية الحضور وانتقاله إلى الأجيال الناشئة.

الميدان الاجتماعي والاقتصادي

المشاهد على حضور واستمرارية المقاومة وبيئتها لا تتوقف عند حدود الانتخابات والحضور الشعبي والتجمعات الكشفية، بل تمتد إلى الميدان الاجتماعي والاقتصادي. ففي الوقت الذي تمارس فيه كل أشكال الضغوط المالية والاقتصادية على المقاومة وشعبها وتتعرض فيه العائلات التي فقدت منازلها للضغوط للتخلي عن خيار المقاومة، صنع حزب الله من الضعف قوة وفاجأ  كل ماكينات التحريض ببدء صرف بدلات الإيواء للعائلات المستحقة، ضمن برنامج "وعد والتزام" الذي أعلن عنه رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش في 13 تشرين الأول 2026.

أكثر من ذلك، وفي مشهد يُجسّد قمّة التحدي والصمود، افتتح سوق "أرضي" أبوابه في 29 تشرين الأول في مجمع سيد الشهداء الذي تعرّض للتدمير جراء العدوان، وذلك لإتاحة المجال أمام المزارعين والحرفيين لتسويق إنتاجهم. ولم تكن العودة مجرّد استئناف لمعرض تجاري، بل إعادة إحياء لمساحة اقتصادية واجتماعية في مكان استهدفه الاحتلال، وإصرار على مواصلة العمل والإنتاج رغم تداعيات الحرب. وقد شارك في دورة هذا العام نحو 1600 عارض، في مشهد يعكس اتساع شبكة المنتجين والمزارعين والحرفيين المشاركين، ويعيد طرح السؤال: هل انتهى الحضور، أم أنّه يواصل التعبير عن نفسه في ميادين الحياة والعمل والإنتاج؟

بعد كل هذه المحطات، من صناديق الاقتراع إلى ساحات التشييع، ومن التجمعات الكشفية إلى المبادرات الاجتماعية والاقتصادية، يعود السؤال الذي حاولت حملات كثيرة حسم إجابته بناء على أمنياتها وأوهامها لا احتكامًا الى الوقائع بلغة الأرقام: هل انتهت المقاومة فعلًا؟ وهل انقلبت بيئتها عليها؟ لتبدو الإجابة واضحة وضوح الشمس التي لا يمكن حجبها بالغربال: المقاومة باقية وتتجذّر أكثر فأكثر.

الكلمات المفتاحية
مشاركة