نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
ربّما يكون الحديث عن رفض المشاركة العربية في الانتخابات "الإسرائيلية" تغريدًا خارج السرب أو سباحة ضدّ التيار، لا سيما مع النظر إلى النتائج باعتبارها إنجازًا غير مسبوق، حيث للمرة الأولى في تاريخ المشاركات العربية في الانتخابات، تحصل القوائم العربية على 19 مقعدًا.
ورفض المشاركة هنا منطلقه رفض وجود الاحتلال لأنّه باطل، وما بُني على باطل فهو باطل، ورفض كل ما يترتب على هذا الوجود المؤقت، فوجود الاحتلال بالقوة القاهرة لا يلغي بطلانه الشرعي والتاريخي والجغرافي والقانوني والسياسي والأخلاقي والإنساني وعلى كل المستويات، وهذا الرفض هو وجهٌ آخر للعصيان والمقاومة.
ولكن هناك من يرى أنّ التدافع إلى صناديق الاقتراع، والتدفق نحوها بنسبةٍ تتجاوز 80%، هو أحد وجوه الرفض، وهذا لأنّ هذا التدافع وهذه النسبة أربكت حسابات نتنياهو، وأنّ هذه المشاركة غير المسبوقة عسَّرَت مهمة نتنياهو بتشكيل الحكومة، ومنحت فرصة التشكيل لما يُسمى بـ"معسكر التغيير" لصاحبه صاحب "عقيدة الضاحية" وشركاه غادي آيزنكوت.
ويتناسل الحديث عن ضرورة تحلّي آيزنكوت بالشجاعة ويعلن موافقته على اليد الممدودة من القوائم العربية، لتوفير الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، وبالتالي "إقصاء نتنياهو وحكومته المتطرفة"، وهذه الجملة بين قوسين لا أتبناها، لكنها جزءٌ من السردية التي يتم سوقها للتبرير والتشجيع، فأهم ميزات الكيان هي التطرف، بحكوماته ومؤسساته ومستوطنيه.
وهذا ما أثبتته هذه الانتخابات، حيث استحوذ مجرم الحرب نتنياهو على أكثر الأصوات، وحصل حزبه على أكثر المقاعد، بينما استحوذ صِنوه في الإجرام آيزنكوت على ما تبقى من مقاعد، وهو الذي يتمّ تسويقه في هذه السردية باعتبار أنّه يرفض إجرام نتنياهو وحكومته، لكن فقط تنقصه شجاعة اتخاذ خطوة القبول بالتحالف مع القوائم العربية، وهذا تضليلٌ موصوف، حيث إنّ الأمر ليس مجرد قرارٍ شجاع، بل صهيونية متجذرة وتلمودية متأصلة، ترى في العرب أعداءً وطارئين.
وقد يفضّل آيزنكوت تجرّع السمّ بالتحالف مع نتنياهو، وتشكيل ما تسمى حكومة "وحدة وطنية"، على أن يطلق على نفسه رصاصة الرحمة بقبول اليد الممدودة من الأحزاب العربية، فالعداء هنا جذري وليس مجرد خلافٍ سياسي، لذا لا يرى آيزنكوت فرقًا بين الطيبي أو جبارين أو يحيى السنوار سوى بالموقع الجغرافي والظرف السياسي، كما لا يجب أن يتمّ التفريق بين آيزنكوت ونتنياهو.
وقد يكون الحديث عن المشاركة في الانتخابات من باب الشؤون المعيشية والمدنية، للحفاظ على موازنات البلدات العربية أو محاربة الجريمة المتفشية، أو أيّ قضايا تهم المجتمع العربي في الداخل المحتل أمرًا متفهمًا، وقد يحاجج البعض باعتباره خيار المضطر لا البطولة، أو خيار الضرورة، وهذه أيضًا مسألةٌ فيها نظر، ولكن لا يجب التجنّي على الواقع، من خلال التعامل كأنّ الثقل البرلماني سيُنتج آثارًا سياسية.
بينما قد يكون هذا الثقل عكسيّ التأثير، حيث سيضيء "اللمبة الحمراء" في الغرف السوداء للقرار "الإسرائيلي"، فهذا الثقل الانتخابي يتناقض مع ما يُعرف بـ"يهودية الدولة"، ويتصادم مع هدف الكيان بالتفوق الديموغرافي، وهذا ما سيجعل من تهديدات بن غفير وسموتريتش لفلسطينيي الداخل بالتهجير والترحيل، أكثر إلحاحًا وقد تُسرّع في دخولها حيّز التنفيذ.
هذا التناقض الجوهري لا يمكن تجاوزه لمجرد ظرف انتخابي، حيث إنّ هناك اجماعًا صهيونيًا على كل ما ارتكبته حكومة نتنياهو من إبادة وجرائم، الفرق الوحيد بين المعسكرين هي على الوسيلة لا الهدف، حيث إنّ إجماع ما يُسمى بـ"معسكر التغيير"، هو على التخلص من نتنياهو، لأنّه فشل في إنجاز المهمة، ويعتقدون أنّهم قادرين على إنجازها بأقل الخسائر وأقصر وقت.
وهذه المهمة هي مهمة نتنياهو بحذافيرها، وهي ذاتها في كل الجبهات، في غزة ولبنان واليمن وإيران وسورية، ولكن ولادة حكومة بديلة عن حكومة نتنياهو، ليست أمرًا محتملًا فضلًا عن أن يكون مؤكدًا، وبغض النظر عن كل السيناريوهات المتوقعة، فإنّ الأرجح هو بقاء نتنياهو في المشهد السياسي "الإسرائيلي"، إلى حين الوصول إلى نهاية الحرب على إيران، واتضاح مستقبل الإقليم.