خاص العهد
في خطوة تعكس حجم الاعتراض داخل قطاع التعليم الثانوي الرسمي على القرارات الإدارية والتربوية الأخيرة، يواصل أساتذة التعليم الثانوي تحرّكهم النقابي رفضًا لما يرونه مساسًا بأسس العملية التعليمية ومكتسبات التعليم الثانوي الرسمي، ولا سيما في ما يتعلق بدمج الشعب، وتقليص أعداد النظّار، وانعكاسات هذه الإجراءات على الأساتذة المتعاقدين والتلامذة على حدّ سواء.
وفيما تترقب الأوساط التربوية مآلات الإضراب وإمكان التوصل إلى تسوية مع وزارة التربية، تؤكد رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي أن تحرّكها ليس مطلبًا فئويًا أو ماليًا، بل هو تحرّك تربوي وإداري بالدرجة الأولى، هدفه حماية مستوى التعليم الرسمي والحفاظ على مقومات استمراريته.
وفي هذا السياق، يوضح رئيس الرابطة جمال العمر، في حديث لموقع العهد الإخباري، أن قنوات التواصل مع وزيرة التربية لا تزال مفتوحة، وأن الرابطة تنتظر التوصل إلى حلّ مرضٍ يستند إلى توصيات لجنة التربية النيابية، مشددًا على أن الإضراب سيبقى مفتوحًا إلى حين تعديل القرار رقم 1513 الذي يتضمن إجراءات تمسّ بواقع الثانويات الرسمية وقدرتها على أداء رسالتها التربوية.
الإضراب دفاع عن التعليم الثانوي الرسمي
يؤكد العمر أن الرابطة لم تقطع قنوات التواصل مع وزيرة التربية، ولا تزال تنتظر منها تقديم حلّ يراعي مطالب الأساتذة، استنادًا إلى توصيات لجنة التربية النيابية، مثمنًا الجهود التي بذلها رئيس اللجنة وأعضاؤها، وما قاموا به في سبيل الدفاع عن التعليم الثانوي الرسمي وحقوق الأساتذة والطلاب.
ويقول إن اللجنة النيابية أدّت دورها انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه القطاع، وأدركت أن هناك إضرابًا ومطالب محقة تتصل بحقوق الأساتذة ومصلحة الطلاب، لافتًا إلى أن تحرّك الرابطة في هذه المرحلة يختلف عن التحركات السابقة، إذ إن الإضراب الحالي هو الأول الذي يأتي بطابع تربوي وإداري بحت، وليس بهدف تحقيق مكاسب مالية أو مطالب فئوية، بل للحفاظ على المكتسبات الإدارية والتربوية التي يقوم عليها التعليم الثانوي الرسمي.
ويشدد العمر على أن الرابطة لا يمكنها القبول بإجراءات تؤدي إلى دمج الشُّعب وتقليص عددها، بما يفضي إلى رفع أعداد التلامذة داخل الصفوف، معتبرًا أن هذا التوجه يتناقض مع أبسط الأسس التربوية الحديثة.
فبدلًا من العمل على تخفيف أعداد الطلاب في الصف الواحد، بما يسمح للأستاذ بمتابعة كل تلميذ ومعالجة الصعوبات التعليمية التي يواجهها، يجري الاتجاه نحو جمع أعداد أكبر من التلامذة في الصفوف، الأمر الذي يؤدي إلى الاكتظاظ ويضعف قدرة الأستاذ على القيام بواجبه التربوي.
ويوضح أن المناهج وطرائق التعليم الحديثة لا تقوم على حشد أكبر عدد ممكن من الطلاب داخل الصف، بل على العكس، تستدعي تقليل أعدادهم، بما يتيح اعتماد أساليب تعليمية فاعلة ومتابعة المستوى العلمي لكل تلميذ بصورة أفضل.
ويسأل العمر: كيف يمكن الحديث عن معالجة الفاقد التعليمي، في الوقت الذي يجري دمج الشعب وزيادة أعداد التلامذة داخل الصفوف؟ وكيف يستطيع الأستاذ معالجة الفجوات التعليمية لدى الطلاب إذا لم تتوافر له الظروف المناسبة لمتابعتهم؟
ويضيف أن الفارق كبير بين صف يضم 20 أو 25 تلميذًا كحد أقصى، وصف آخر يضم 32 تلميذًا أو أكثر، إذ إن زيادة العدد تجعل العملية التعليمية أكثر صعوبة، وتحول دون متابعة التلامذة بصورة فردية، وتنعكس سلبًا على مستوى التحصيل العلمي.
ماذا عن إشكالية تقليص أعداد النظّار؟
ولا تقتصر اعتراضات الرابطة على دمج الشعب، بل تشمل أيضًا ما يتعلق بأعداد النظّار في الثانويات الرسمية، إذ يعتبر العمر أن هذه المسألة تمسّ مباشرة انتظام الحياة المدرسية وسلامة التلامذة، ولا سيما أن طلاب المرحلة الثانوية ينتمون إلى فئات عمرية حساسة تتطلب مراقبة ومتابعة مستمرتين.
ويشير إلى أن المطلوب تربويًا وإداريًا هو زيادة أعداد النظّار وتعزيز حضورهم داخل الثانويات، لا تقليصهم، لافتًا إلى أن النظام الداخلي للتعليم الثانوي الرسمي كان يعتمد تخصيص ناظر دوام كامل لكل 100 طالب، فيما جرى رفع النسبة لتصبح ناظرًا واحدًا لكل 125 طالبًا.
ويرى أن هذا التعديل غير مقبول، لأن زيادة أعداد الطلاب الذين يتولى الناظر مسؤولية متابعتهم تضعف قدرته على مراقبتهم ومواكبة شؤونهم اليومية، وتؤثر في انتظام العمل داخل الثانوية.
ويكشف أن الرابطة طلبت من وزيرة التربية خلال اللقاء معها خفض عدد الطلاب المحتسب لكل ناظر، بما يعني زيادة أعداد النظّار وتعزيز الملاك الإداري في الثانويات، لكنها فوجئت بصدور القرار رقم 1513 متضمنًا رفع عدد الطلاب المعتمد في الاحتساب، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تقليص أعداد النظّار بدل زيادتها.
دمج الشعب يهدد ساعات المتعاقدين
ومن أبرز النقاط التي يتوقف عندها العمر، التداعيات التي قد تترتب على دمج الشعب وإقفال بعضها بالنسبة إلى الأساتذة المتعاقدين، محذرًا من أن هؤلاء سيكونون في مقدمة المتضررين من هذه الإجراءات، نتيجة خسارة ساعات تعاقدهم، في ظل عدم وجود ضمانات لتأمين ساعات بديلة لهم.
ويوضح أن القرار رقم 1513 يسمح بفتح شعب جديدة عندما يتجاوز عدد الطلاب 32 تلميذًا، أي ابتداءً من وجود 33 تلميذًا، لكنه يربط ذلك بعدم ترتب أي ساعات تعاقد إضافية.
وهنا يطرح العمر إشكالية أساسية: كيف يمكن فتح شعبة جديدة في الثانوية دون تأمين ساعات تعاقد للأساتذة الذين سيتولون تدريسها؟ وإذا كان أساتذة الملاك الموجودون في الثانوية غير قادرين على تغطية جميع المواد والساعات المطلوبة، فمن أين ستؤمّن الكوادر التعليمية اللازمة لتدريس التلامذة في الشعب المستحدثة؟
ويعتبر أن هذا التوجه ينطوي على تناقض واضح، إذ إن الوزارة تسمح بفتح شعب جديدة استجابة لزيادة أعداد الطلاب، لكنها في الوقت نفسه لا تؤمن مستلزمات تشغيلها من الناحية التعليمية والبشرية، من خلال رفض زيادة ساعات التعاقد أو الاستعانة بأساتذة جدد.
ويحذر من أن إقفال الشعب ودمجها سيؤديان إلى خسارة الأساتذة المتعاقدين ساعاتهم، وبالتالي تراجع فرص استمرارهم في التعليم، رغم أن وجودهم يرتبط بحاجات فعلية داخل الثانويات الرسمية، لا بمجرد أعداد إدارية يجري احتسابها على الورق.
ويلفت في هذا الإطار إلى أن عددًا من زملائهم الذين تستعين بهم الثانويات على حساب صناديقها لم يُلحَقوا حتى الآن بالتعليم الثانوي الرسمي، رغم الحاجة إلى خدماتهم، ما يطرح علامات استفهام حول آلية إدارة الموارد البشرية في القطاع، ومدى مراعاة القرارات المتخذة للحاجات الفعلية للمدارس والأساتذة.
احتساب ساعات التعاقد لا أعداد المتعاقدين
وفي معرض تفنيده للمبررات التي تُساق بشأن كثرة أعداد الأساتذة المتعاقدين، يلفت العمر إلى وجود خطأ جوهري في طريقة احتساب هذه الأعداد، إذ يجري التركيز على عدد المتعاقدين أنفسهم بدل احتساب مجموع ساعات التدريس التي يؤدونها، وهي الطريقة التي ينبغي اعتمادها لتحديد الحاجة الفعلية إلى الأساتذة.
ويشرح أن الأستاذ المتعاقد لا يتقاضى بدلًا عن الساعات التي لم ينفذها، ولا يقبض إلا مقابل الساعات التي يؤديها فعليًا، وبالتالي فإن وجود متعاقدين في ملاك التعليم الثانوي لا يعني تلقائيًا تحميل الدولة أعباء مالية إضافية عن ساعات غير منفذة.
ويضرب مثالًا على ذلك بوجود أربعة أساتذة متعاقدين في ثانوية واحدة، يؤدي أحدهم ثلاث ساعات، والثاني سبع ساعات، والثالث ست ساعات، والرابع ثلاث ساعات، بحيث يكون مجموع ساعاتهم 19 ساعة.
ويؤكد أن المطلوب هو جمع هذه الساعات واحتسابها كنصاب تعليمي، ثم تحديد عدد الأساتذة الذين تحتاج إليهم الثانوية على هذا الأساس، لا الاكتفاء بعدّ أسماء المتعاقدين.
ويضيف أن هناك تضخيمًا لمسألة أعداد المتعاقدين داخل وزارة التربية، في ظل توجهات وضغوط مرتبطة بصندوق النقد الدولي تدفع نحو تقليص أعداد العاملين في القطاع العام، متسائلًا عن كيفية تنفيذ هذه السياسة في التعليم الثانوي الرسمي دون الأخذ في الاعتبار انعكاساتها المباشرة على التلامذة والعملية التعليمية.
ويسأل: إذا جرى تقليص أعداد الأساتذة المتعاقدين وإقفال الشعب، فمن سيتولى تعليم هؤلاء التلامذة؟ وكيف يمكن معالجة الفاقد التعليمي في صفوف مكتظة، بعدما جرى تقليص عدد الأساتذة الذين يتابعون الطلاب ويساعدونهم على تجاوز الصعوبات التعليمية؟
ويشدد على أن معالجة الفاقد التعليمي تتطلب وجود الأستاذ إلى جانب التلميذ ومتابعته بصورة مباشرة، لا جمع التلامذة في صفوف مكتظة ثم مطالبة الأساتذة بتحقيق نتائج تربوية أفضل في ظل غياب الإمكانات اللازمة.
الإضراب مستمر إلى حين تعديل القرار
وفي ما يتعلق بمصير الإضراب وإمكان تعليقه، يوضح العمر أن قرار الإضراب لا يزال مفتوحًا، وأن العودة مرتبطة بتعديل القرار رقم 1513، ولا سيما البنود المتعلقة بدمج الشعب واحتساب أعداد النظّار، لما لهذه الإجراءات من انعكاسات مباشرة على التعليم الثانوي الرسمي.
ويؤكد أن الرابطة تتمسك بتوصيات لجنة التربية النيابية وتشد على أيدي رئيسها وأعضائها، مثمنًا مواقفهم وجهودهم في مواكبة القضية والدفاع عن حقوق الأساتذة ومصلحة الطلاب.
ويشير إلى أنه في حال بادرت وزيرة التربية إلى التجاوب مع مطالب الرابطة وأعلنت استعدادها لتعديل القرار، وتقديم خطوات واضحة لتنفيذ توصيات اللجنة، فإن الأساتذة سيتعاملون بإيجابية مع هذه المبادرة، وسيكونون مستعدين للسير بالتوصيات وتعليق الإضراب.
ويقول إن الرابطة لا تضع العراقيل أمام الحلول، بل تنتظر ترجمة التوصيات إلى إجراءات عملية، موضحًا أن البند الأول والأساس في توصيات لجنة التربية النيابية يتمثل في تعديل القرار نفسه، على أن يؤدي تنفيذ هذا التعديل إلى فتح الباب أمام تعليق الإضراب.
ويختم العمر بالتأكيد أن الرابطة تثمّن جهود النواب وأعضاء لجنة التربية النيابية، وأنها مستعدة للتجاوب مع أي خطوة جدية تعيد الأمور إلى مسارها الصحيح، شرط أن تلتزم وزارة التربية بتنفيذ المطلوب منها؛ لأن القضية، لا تتعلق بمواجهة مع الوزارة، بل بالدفاع عن التعليم الثانوي الرسمي، وحماية حقوق الأساتذة المتعاقدين، وضمان حق التلامذة في تعليم نوعي لا تضعفه قرارات الدمج والاكتظاظ وتقليص الكوادر الإدارية والتربوية.